باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 17 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

تقلي، مملكة الجبل الذي لا يؤكل بالخيل

اخر تحديث: 17 يوليو, 2026 11:11 صباحًا
شارك

تقلي، مملكة الجبل الذي لا يؤكل بالخيل
سيرة مكوك عاشت أربعة قرون بفضيلتين لسان لين وجبل ما لان

د. الرشيد خليفة

فضل الجلوس فوق الجبل
عرف السودان ممالك كثيرة أدمنت الحركة: سنار تتمدد على النيل، ودارفور تغزو شرقاً وغرباً، والمسبعات يحملون حدودهم على ظهور الخيل. أما مملكة تقلي فاختارت منذ اليوم الأول استراتيجية مغايرة تماماً، بسيطة إلى حد العبقرية: أن تصعد الجبل وتجلس. جلست تقلي فوق جبالها في شرقي جبال النوبة أربعة قرون كاملة، تراقب من الأعلى قيام الإمبراطوريات وسقوطها في السهول، وتدفع جزية هنا وتجامل سلطاناً هناك، وتنجو في كل مرة، حتى صحّ فيها أنها المملكة السودانية الوحيدة التي هزمت التاريخ بالقعود لا بالقتال.
وهذه سيرة دولة لم تربح معركة كبرى واحدة في سجلها، ومع ذلك عاشت أطول من كل الرابحين: أطول من سنار وأطول من المسبعات وأطول من مقدومية دارفور وأطول من التركية، ولم يقصم ظهرها في النهاية جيش غازٍ بل دعوة دينية جاءت تطلب ما هو أغلى من الجزية: القلب. وهو الدرس الذي يستحق أن يُدرّس في كل أكاديميات العالم: يمكنك أن تساوم على المال أربعة قرون، أما العقيدة فلا تقبل التقسيط.

النشأة، الغريب الحكيم يتزوج الجبل
قصة محمد الجعلي هذا من أجمل أساطير التأسيس السودانية، وهي نموذج مكتمل لما يسميه المؤرخون أسطورة «الغريب الحكيم» (The Wise Stranger) — دعني أرويها كما تحكيها التقاليد ثم أضع عليها ميزان النقد:
الرواية كما يحكيها أهل تقلي: في نحو منتصف القرن السادس عشر، وفد على جبال تقلي رجل مسلم غريب قادم من بلاد النيل، تسميه الروايات محمد الجعلي (وفي بعضها محمد الجيلاني، بما يوحي بنسبة صوفية قادرية). كان أهل الجبل يومها على دينهم القديم، يحكمهم زعماء محليون. فنزل الغريب بينهم ضيفا، وأدهشهم بما معه: العلم والقراءة والكتابة، والدعاء الذي يستنزل المطر، والبركة التي تشفي وتحفظ. فقرّبه زعيم الجبل وزوّجه ابنته — وهنا مربط الفرس، فالنظام المحلي كان أمومياً يورّث عبر الأخت والبنت — فلما وُلد له منها ولد، صار هذا الولد وارثاً شرعياً في حساب أخواله، ومسلماً عربي الأب في حساب أبيه. ومن هذا الزواج انحدرت سلالة مكوك (جمع مَك، وبدون علاقة بالجعليين) تقلي كلها: بيت واحد جمع دم الجبل وقداسة النهر، وظل يحكم حتى ألغاه النميري عام 1969 [1].

ما يقوله ميزان النقد: جانيت إيوالد (Janet Ewald)، صاحبة الدراسة المرجعية عن تقلي، تتعامل مع القصة بوصفها أسطورة تأسيس لا وقائع تاريخية، وترى أن الدولة المتماسكة الفعلية لم تتبلور إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وأن الرواية أُسقطت لاحقاً على الماضي لتمنح البيت الحاكم عمقاً زمنياً وشرعية مزدوجة. ولاحظ حبكة القصة السياسية المحكمة: فهي تحل بضربة واحدة كل مشكلات الشرعية — نسب عربي جعلي يصل البيت الحاكم بأشراف النيل (وبالنسب الشريف عبر الجعليين إلى العباس)، وأم محلية تحفظ حق الجبل في ملوكه فلا يكونون غزاة، وبركة دينية ترفع المك فوق زعماء الجبال المتنافسين [2]. وهي بنية تتكرر بحذافيرها في أساطير تأسيس سودانية أخرى: فقصة عبد الله جماع وسبأ العرب مع علوة، وقصة الوافد العربي في ممالك الفونج والفور والمساليت، كلها من الطراز نفسه — غريبٌ عالمٌ يتزوج بنت الملك في نظام أمومي فيرث أبناؤه العرش.

غير أن الباحثين المحدثين، وعلى رأسهم جانيت إيوالد صاحبة أوفى دراسة عن المملكة، يقرأون الرواية قراءة أقل رومانسية: فالزواج المبارك قد يكون حدث فعلاً في القرن السادس عشر، لكن الدولة بمعناها المكتمل، بجباية منتظمة وبلاط وهيبة تتجاوز الجبل الأم، لم تتبلور إلا في القرن الثامن عشر، حين تعلم المكوك أن يحوّلوا بركة الجد الوافد إلى ضرائب قابلة للتحصيل [1]. أما قوائم الملوك التي حفظها الرواة ودوّنها الإداريون الإنجليز لاحقاً فتمنح المملكة عمقاً زمنياً مهيباً وأسماء مكوك تتعاقب بانتظام مريب، انتظام يليق بالذاكرة أكثر مما يليق بالتاريخ [3].

الجغرافيا والبيئة، عقار فاخر بمواصفات دفاعية
قامت المملكة في الكتلة الشمالية الشرقية من جبال النوبة، فيما يعرف اليوم بنواحي رشاد وأبو جبيهة جنوب شرقي كردفان، وهي بقعة لو عُرضت في سوق العقارات السياسية لكُتب في إعلانها: موقع استراتيجي مطل، تهطل عليه أمطار أوفر من جيرانه، تربة صالحة للذرة والسمسم، وأسوار طبيعية من الغرانيت لا تحتاج صيانة [4]. فالجبل في تقلي لم يكن مجرد تضاريس، بل كان المؤسسة الدستورية الأولى: هو الحصن الذي تتكسر عنده خيل السهول، وهو المخزن الذي تُخبأ فيه الغلال، وهو الحجة الدائمة في وجه كل جابٍ طموح: تفضل واصعد إلينا إن استطعت.
وبين الجبال تنبسط سهول طينية خصبة ووديان موسمية، فجمعت المملكة بين اقتصاد الجبل الآمن واقتصاد السهل الرغيد، وكانت تدير المسافة بينهما بحساب دقيق: في سنوات السلم تنزل الزراعة والأسواق إلى السفوح، وفي سنوات الخطر يصعد كل شيء إلى الأعلى، فتغلق المملكة أبوابها كما تغلق السلحفاة درعها، وتنتظر. وكما نقول الآن إنها حققت الأمن الاقتصادي والانتظار. والانتظار، وهو أسهل إنتصار، كما ستثبت القرون الأربعة التالية، كان أمضى أسلحة تقلي قاطبة.

القبائل والمجتمع والثقافة والدين، مملكة على التقاطع
كانت تقلي في جوهرها مشروع وساطة اجتماعية كبير: بلاط مسلم يتحدث العربية وينتسب إلى النيل، يحكم شعوباً نوبية جبلية متعددة الألسن والأعراف، وتحيط بالجميع قبائل عربية رعوية تصعد وتهبط مع المواسم [4]. ولم يحاول المكوك صهر هذا الخليط في قومية واحدة، فقد كانوا أذكى من ذلك أو أضعف، وهما الإثنين في السياسة سواء؛ بل اكتفوا بإدارة التقاطع: يتزوجون من بيوت الجبال، ويحالفون عرب السهول، ويستقبلون الفقرا والتجار، ويتركون لكل جماعة جبلها وأرواحها وطقوسها ما دامت الجزية تصل.
وعلى هذا النسق جرى الدين أيضاً: إسلام في البلاط والقمة، بمصاحف وخلاوى وأنساب شريفة، وديانات محلية عريقة في السفوح والقرى، يتوسطها الكجور، سيد المطر والخصب، الذي ظل يمارس اختصاصه الروحي دون أن يرى في مك تقلي المسلم منافساً في السوق، إذ لكل منهما جمهوره وموسمه [4]. ولم تُعرف عن تقلي حماسة تبشيرية ولا محاكم عقيدة؛ فالمملكة التي بنت وجودها كله على التوسط بين الأضداد كانت تدرك أن التعصب ترف لا تملكه الدول الصغيرة، وأن أفضل سياسة دينية لجارٍ ضعيف بين أقوياء هي ألا تسأل أحداً عما يعبد ما دام يدفع ما عليه [1].

الاقتصاد والتجارة والزراعة والعمران، الازدهار بصوت منخفض
اقتصادياً، أتقنت تقلي فناً نادراً في السودان القديم: الثراء دون استعراض. فالأساس زراعة الذرة والسمسم والقطن البلدي (قصير التيلة) في السهول والمدرجات الجبلية، يسندها فائض أمطار جعل الجبل مخزن غلال يقصده الجيران في سنوات الجوع، فتبيعهم تقلي القوت وتشتري به النفوذ [1].

كانت جبال النوبة من أقدم مواطن زراعة القطن البلدي وغزله ونسجه في السودان، والنساجة فيها صنعة عريقة سابقة للأتراك بقرون. فأهل الجبال كانوا يزرعونه على المطر، وتغزله النساء، وينسجه الرجال على الأنوال اليدوية أثواباً هي «الدمور» — القماش البلدي الخشن المتين الذي كان عملةََ وكساءً ومهراً وجزيةً في آن. وكان الدمور من أهم ما ينزل من الجبال إلى أسواق السهول، ومن أعمدة اقتصاد تقلي مع الحديد والرقيق والصمغ. حتى المهدية جعلت من الدمور المرقّع جبةً ولباساً رسمياً لدولة الزهد.
في القرن العشرين إختار الإنجليز أنفسهم جبال النوبة موطناً لمشروع قطن تجاري (أعمال هيئة قطن جبال النوبة) منذ العشرينيات لعراقة المنطقة في زراعته، لكن بأصناف أمريكية قصيرة التيلة محسّنة، فتحول القطن من صنعة بلدية يملك أهل الجبل حلقاتها كلها — زرعاً وغزلاً ونسجاً وبيعاً — إلى محصول نقدي يُصدَّر خاماً وتعود أرباحه لغير زارعيه. كان القطن ثوباً يلبسه الجبل، فصار شيكاً يُصرف في الخرطوم.

وفوق الزراعة قامت حرفة الحديد النوبية العريقة وتربية المواشي، ثم التجارة العابرة: فالمملكة جلست على طرف دروب الجلابة النازلة من حواضر نهر النيل إلى سنار والأبيض عاصمة كردفان وجبال النوبة، وتعاملت مع أخطر بضائع العصر، الرقيق، بازدواجية لا يتقنها إلا كبار الساسة: تحمي رعاياها من الخطف بوصفها دولة، وتشارك في تجارة أرقاء الجوار بوصفها اقتصاداً، وتنام قريرة العين بوصفها سلطة لا تُسأل عما تفعل [5].
أما العمران فجاء على مذهب المملكة في كل شيء: التواضع الاستراتيجي. لا مدن حجرية ولا قصور شاهقة، بل حواضر ملكية متنقلة بين قرى الجبل، وبيوت من الحجر والطين والقش تتسلق السفوح، وأسواق موسمية عند الأقدام. فتقلي فهمت مبكراً القاعدة التي أفنت جارتها المسبعات وهي تتجاهلها: العمران الفاخر في السهول المفتوحة ليس حضارة، بل دعوة عشاء موجهة إلى كل جيش عابر.

العلاقة مع الجيران، مدرسة عليا في فنون المداراة
لو وُضع منهج جامعي في العلاقات الخارجية للدول الصغيرة لكانت تقلي مادته الأولى. في الشرق سلطنة الفونج، السيد الأول، فأقرت له تقلي بسيادة اسمية وجزية موسمية وودّ معلن، واحتفظت لنفسها بكل ما عدا ذلك، وكان الترتيب مريحاً للطرفين: سنار تضيف اسماً إلى قائمة أملاكها، وتقلي تضيف قرناً إلى عمرها [6]. وفي الشمال والغرب المسبعات ثم مقدومية دارفور، جيران السهول الذين اشتهوا الجبل جيلاً بعد جيل طلباً للرقيق والحديد، فغزوا الأطراف مراراً وعادوا مراراً بالخفّين المعروفين، إذ كان الجبل يبتلع الحملات والمك يفاوض من عُلٍ: جزية رمزية عند الحاجة، وباب مفتوح للتجارة، وممر آمن مقابل أن يبقى الجميع في الأسفل [1].
وفي المحيط القريب عرب البقارة، الحوازمة وجيرانهم، شركاء المراعي والأسواق وخصوم المواسم العجاف، تديرهم تقلي بالمصاهرة تارة وبإغلاق الجبل تارة. ثم جاء سنة 1821 جار من طراز جديد: التركية بمدافعها، التي ابتلعت سنار والمسبعات ومقدومية كردفان في بضعة أشهر، فتفرغت للجبل العنيد. وهنا قدمت تقلي أرقى عروضها الدبلوماسية على الإطلاق: امتصت الحملات، وناورت الحكمدارية عقوداً كاملة بجزية تُدفع حيناً وتُنسى أحياناً وتُعاد جدولتها دائماً، حتى استقر الطرفان على صيغة فريدة في السودان التركي كله: مملكة مستقلة فعلاً، تابعة اسماً، مستعصية دوماً [7]. أربعة قرون والوصفة واحدة: قدّم لكل قوي ما يكفيه من الانحناء، واحتفظ بالجبل.

الجزية تنزل من الجبل ولا تصعد إليه
في حساب القوة بين الجبل والسهل، كانت الجزية تسير دائماً في اتجاه واحد: من مكوك الجبال إلى ملوك السهول، لا العكس. فمك تقلي هو الذي كان يبعث بالهدايا والجزية إلى سلاطين سنار، ثم إلى المسبعات حين علا نجمهم في كردفان، ثم إلى الفور حين ضموا كردفان في ثمانينيات القرن الثامن عشر — كلٌّ بحسب دورته في مسرح السهول. لكنها كانت جزية من طراز خاص: متقطعة، رمزية في الغالب، تُدفع حين يقترب جيش وتُنسى حين ينشغل السلطان بغيرها، فلا هي خضوع كامل يفتح الجبل للسهل، ولا هي تمرد سافر يستدعي حملة. أما ملوك السهول فلم يدفعوا لمكوك الجبال شيئاً قط، إذ لم يكن للجبل جيش ينزل فيطالب، وإنما كان له صخر يصد من يصعد.
ولسائل أن يسأل: ولماذا يدفع مك محصّن في جبل لا تأكله الخيل جزيةً لسلطان بعيد في سنار؟ الجواب أن الجبل يحمي ولا يُطعم كل شيء. فالمك كان يحتاج السهل احتياج السهل إليه أو أكثر: يحتاج أسواق سنار وقوافلها لتصريف ما عنده من رقيق وحديد وذهب ومحاصيل، ويحتاج ما يأتي من النيل من قماش وخيل وسلاح وملح، ويحتاج فوق ذلك كله الاعتراف — فمكوكية تباركها سنار، صاحبة السيادة الاسمية والشرعية الإسلامية في المنطقة، أثبت في أعين المنافسين من الإخوة والأعمام من مكوكية يباركها الجبل وحده. فكانت الجزية في حقيقتها قسط تأمين تجاري وسياسي: ثمناً زهيداً لطرق مفتوحة وغارات مؤجلة وعرش معترف به، يدفعه المك وهو يعلم أن سنار تعلم أن تحصيله بالقوة يكلف أضعافه.

أما في داخل المملكة، فقد كان المك يعيد إنتاج المعادلة نفسها: فكما تنزل جزيته من قمة الجبل إلى سهول سنار — في انتكاسة ظريفة لناموس الجزية الذي يقضي بأن تصعد لا أن تنزل — كانت ضرائب رعاياه تصعد إليه من السفوح والحواشي: المزارعون يدفعون نصيباً من الذرة والدخن ورؤوساً من الماشية، تجمعها المشيخات وشيوخ الجبال التابعة كلٌّ من جماعته، ثم ترفعها إلى بيت المك في الأعالي. لعل مك تقلي كان الملك الوحيد في التاريخ الذي يدفع الجزية بالجاذبية — يدحرجها من فوق ولا يكلف نفسه عناء الصعود بها إلى أحد.
والجماعات النوبية الواقعة على أطراف المملكة، ممن لم يدخلوا في الإسلام أو لم يستظلوا بحماية المك، كانت تؤدي الثمن الأفدح: غارات موسمية تجلب الرقيق الذي يشكل عماد ما يُبعث به إلى السهول. ويضاف إلى ذلك ما يؤديه التجار الجلابة العابرون من مكوس ورسوم مرور وهدايا لبيت المك. وهكذا استقام الهرم: الأطراف تدفع للمشيخات، والمشيخات تدفع للمك، والمك يدفع — حين لا بد من الدفع — لسلطان السهل السناري، وكلٌّ في الهرم يأخذ أكثر مما يعطي إلا من كان في قاعه.

السقوط، الدعوة التي لا تقبل الجزية
ثم جاءت المهدية سنة 1881 لتكشف الثغرة الوحيدة في النظرية التقلاوية. فالمهدي لم يكن سلطاناً يريد جزية ولا حكمداراً يريد ضرائب، بل صاحب دعوة يريد البيعة، والبيعة لا تُدفع بالتقسيط ولا يُناور فيها من فوق جبل. راسل المهدي المك آدم أم دبالو يدعوه، فراوغ المك على طريقة أسلافه العريقة، يجامل ولا يبايع ويصانع ولا ينضم، غير أن الحيلة التي انطلت على سلاطين وباشوات لم تنطلِ على الأنصار [8]. فانقضت جيوش المهدية على الجبال، وقُبض على المك آدم فسيق إلى معسكر المهدية أسيراً حتى مات في قبضتها، وشهدت الجبال من الحملات والسبي والتشريد ما لم تشهده في أربعة القرون السابقة مجتمعة، وانطفأت المملكة فعلياً وهي في يد الدولة الوحيدة التي حكمت السودان باسم السماء [9].
ولأن لكل مملكة في هذه البلاد أكثر من جنازة، فقد أعاد الإنجليز بعد 1898 المكوكية إلى الوجود، ولكن على طريقتهم: محنطة داخل نظام الإدارة الأهلية، مكٌ براتب ومحكمة أهلية وخاتم، يجبي لحساب الحكومة ما كان أجداده يجبونه لحسابهم [9]. وعاشت المكوكية على هذا الحال المتحفي عقوداً، إلى أن جاءت حكومة مايو فألغت الإدارة الأهلية في مطلع سبعينيات القرن العشرين، فأُسدل الستار الإداري على آخر بقايا المملكة، وبقي لقب مك تقلي شرفاً اجتماعياً يتوارثه أصحابه: عرش بلا دولة، وتاج بلا جباية، وذاكرة أطول من كل الذين حاولوا محوها.

الحرب الحالية، الجبل يستأنف وظيفته القديمة
واليوم تدور رحى الحرب السودانية في المسرح التقلاوي القديم نفسه، جنوب كردفان وجبال النوبة، وبتوزيع أدوار يكاد يكون منسوخاً من الأرشيف: قوى السهول تتحالف وتتناحر على الطرق والأسواق، والجبال تلعب دورها الأزلي ملاذاً وحصناً وقاعدة يستعصي اقتحامها. فالحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، المتحصنة بالجبال منذ سنوات طويلة، دخلت الحرب الكبرى متحالفة مع قوات الدعم السريع، وشارك الحلفاء في حصار مدينتي كادقلي والدلنج حصاراً خانقاً امتد نحو ثلاث سنوات، قبل أن يتمكن الجيش مطلع هذا العام من فك الحصار عن المدينتين وإعادة وصلهما بشمال كردفان [10].
غير أن فك الحصار لم يوقف النزيف: فالمسيّرات تطال المدارس والخلاوى في الدلنج والرهد، والقصف المدفعي يتجدد على المدن، والنزوح متواصل من الدلنج وكادقلي نحو الأبيض والنيل الأبيض هرباً من هجمات لا تهدأ، في واحدة من أقسى جبهات حرب شردت ملايين السودانيين [11]. أهل الجبال، ورثة رعايا تقلي، يدفعون اليوم الثمن الذي عرفه أجدادهم جيداً: أن تكون أرضك حصينة يعني أن يتقاتل الجميع عليها وحولها وفيها، وأن الجبل الذي يحميك من الغزاة لا يحميك من أن تصبح أنت نفسك ساحة حربهم.
والمفارقة التقلاوية الكبرى قائمة تُرى بالعين المجردة: المملكة التي أفنت أربعة قرون في تجنيب جبالها حروب السهول، عبر الجزية والمصاهرة والمراوغة الرفيعة، خلّفت أرضاً صارت منذ عقود مركز الحروب لا هامشها. سقطت دبلوماسية المكوك ولم يسقط الجبل؛ فهو ما زال هناك، يؤدي وظيفته القديمة بحياد صخري تام: يحمي من صعد إليه، أياً كان، وينتظر من السهول جولة قادمة، وما أكثر ما انتظر.

النجاة بوصفها مجداً
لم تترك تقلي أهرامات كمروي ولا مدافع كالمهدية ولا دواوين كسنار، وتركت بدل ذلك كله إنجازاً واحداً تعجز عنه الإمبراطوريات: أنها عاشت. أربعة قرون من البقاء المحسوب بين فكّي دارفور وسنار، ثم التركية، لا يكسرها إلا من جاء يطلب الروح لا المال. وفي بلاد تقيس المجد بعدد الغزوات، تقف تقلي شاهداً هادئاً على أن أعظم انتصارات التاريخ قد يكون ببساطة: ألا تنقرض. وهو درس نضعه اليوم أمام المتحاربين على سفوحها، لعل أحداً يرفع رأسه نحو الجبل ويقرأ.

المراجع
[1] Janet J. Ewald, Soldiers, Traders, and Slaves: State Formation and Economic Transformation in the Greater Nile Valley, 1700–1885, University of Wisconsin Press, Madison, 1990.
[2] H. A. MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan, 2 vols., Cambridge University Press, Cambridge, 1922.
[3] R. J. Elles, “The Kingdom of Tegali”, Sudan Notes and Records, Vol. 18, Khartoum, 1935.
[4] S. F. Nadel, The Nuba: An Anthropological Study of the Hill Tribes in Kordofan, Oxford University Press, London, 1947.
[5] H. A. MacMichael, The Tribes of Northern and Central Kordofán, Cambridge University Press, Cambridge, 1912.
[6] R. S. O’Fahey & J. L. Spaulding, Kingdoms of the Sudan, Methuen, London, 1974.
[7] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، مطبعة المعارف، القاهرة، 1903.
[8] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898, Clarendon Press, Oxford, 2nd ed., 1970.
[9] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث 1820–1955، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، 2002.
[10] سودان تربيون، «مسيّرات الدعم السريع تستهدف خلوة ومرافق تعليمية بكردفان والجيش يرد»، 11 فبراير 2026، https://sudantribune.net/article/310525
[11] سودان تربيون، «مصادر عسكرية: الدعم السريع تحشد قواتها لشن هجوم كبير على الأبيض»، 15 يونيو 2026، https://sudantribune.net/article/315086

rkhalifa747@gmail.com

الكاتب
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
أبيي: المسيرية مواطنون لا رعاة يا صفوة السودان الجديد
منبر الرأي
العقد الاجتماعي الجديد للسودان… نحو جمهورية المواطنة والعدالة والمؤسسات.
منبر الرأي
(ترس السودان) أرجل من الحركة الإسلامية
منبر الرأي
النقابات والنساء الحوامل .. بقلم: عباس خضر
منبر الرأي
من «الحروب الجديدة» إلى «الدولة التي لم تُبنَ بعد»:

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

هنا ام درمان إذاعة جمهورية السودان: الجزء الثاني. محاولة للتوثيق بمناسبة اليوم العالمي للراديو .. بقلم: صلاح الباشا

صلاح الباشا
منبر الرأي

توحدت الشوارع وتبعثرت الأحزاب  .. بقلم: عصام الصادق الغوض

طارق الجزولي
منبر الرأي

التحول الاستباقي بديلا للثورة وللضياع .. بقلم: رباح الصادق

رباح الصادق
منبر الرأي

عبد الرحمن الخليفة المحامي: مهني بلا وازع .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss