احاول تناول مسالة تكرار نشوء الرأسمالية العقارية في بداية الطور البريطاني الاستعماري من شركة الهند الشرقية والتي قامت بنشاط عقاري، وشركة فرجينيا لتعمير الساحل في امريكا، شركة جنوب أفريقيا البريطانية وشجعت الاستيطان والسيطرة على المناجم، ثم شركة دلتا النيجر وحولته لمستوطنة، شركة شرق أفريقيا الإمبراطورية وتحولت لشركة عقارية والتي تراجعت مع تطور الآليات الرأسمالية. في العقود الأخيرة،خاصة مع بروز الترامبية، والتي تحاول إعادتها بتكوين حكومته السابقة والحالية من مطورين وسماسرة ومحاميين عقاريين وطرح مشاريع من ريفيرا غزة إلى شركة عقارية بين غزة والضفة، ومنتجعات جنوب لبنان ومشروع جاريد كوشنر السلام من اجل الازدهار كجزء من اتفاقيات أبراهام بقيمة ٥٠ مليار دولار ، وممر زنغزور بين ارمينيا وأذربيجان كمشروع عقاري.
يقدم ابن خلدون في مقدمته تحليلاً عميقاً لدورة حياة الدول والإمبراطوريات، وتناول بالتحديد موضوع تكرار المشاريع والعمران بشكل مفرط وغير منتج كأحد المؤشرات الدالة على اقتراب نهاية الدولة. هذه الفكرة تعكس رؤيته العميقة لطبيعة تطور الحضارات وارتباط العمران بالدورة الحضارية للدول.
- الترف والتبذير كمرحلة متقدمة من عمر الدولة: يرى ابن خلدون أن الدول تمر بمراحل متعددة، وأن مرحلة الترف والتبذير تأتي في المراحل المتأخرة من حياة الدولة. في هذه المرحلة، يبدأ الحكام في الإكثار من المشاريع العمرانية الضخمة وغير الضرورية بهدف: إثبات القوة والهيبة وتسجيل اسم الحاكم في التاريخ وإشغال الرعية بمشاريع ظاهرية. يقول ابن خلدون: “إذا كثُر البناء واتسع العمران، كان ذلك دليلاً على سعة الملك وكثرة الأعوان والجند، وإذا قلّ البناء وانتقص العمران، كان ذلك دليلاً على نقصان الملك واقتراب أفوله”
- العلاقة بين التكرار والتبذير الاقتصادي: يشير ابن خلدون إلى أن تكرار المشاريع دون حاجة حقيقية يؤدي إلى: استنزاف خزينة الدولة وزيادة الضرائب على الرعية وإرهاق المجتمع اقتصادياً وتراجع الإنتاجية الفعلية. هذا التبذير الاقتصادي يضعف الدولة من الداخل ويجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات الخارجية أو الأزمات الداخلية.
- الجانب النفسي والاجتماعي لتكرار المشاريع: من منظور خلدوني، فإن تكرار المشاريع يعكس: حالة القلق لدى الحكام من نهاية حكمهم ومحاولة إثبات الشرعية عبر المشاريع المادية وانفصال النخبة الحاكمة عن واقع المجتمع واحتياجاته الحقيقية. تراجع “العصبية” وتماسك المجتمع لصالح القيم المادية الظاهرية
أمثلة تاريخية من منظور خلدوني: الإمبراطورية الرومانية يشير العديد من المؤرخين إلى أن الإمبراطورية الرومانية في مراحلها المتأخرة شهدت طفرة في المشاريع العمرانية الضخمة مثل الحمامات والمسارح والمعابد، بينما كانت تتراجع عسكرياً واقتصادياً.
الدولة العباسية في عصرها المتأخر: من خف يمكن ملاحظة أن العصر العباسي المتأخر شهد بناء قصور فاخرة ومشاريع معمارية ضخمة في وقت كانت فيه الدولة تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة. تفسير الظاهرة في العصر الحديث الدول المعاصرة وتكرار المشاريع ويمكن ملاحظة أن العديد من الدول التي تشهد تراجعاً تلجأ إلى: مشاريع عمرانية ضخمة غير منتجة واستثمارات في بنية تحتية فاخرة تفوق احتياجات المجتمع والتركيز على المشاريع الظاهرية التي تهدف إلى تحسين صورة النظام دون معالجة المشاكل الهيكلية
المؤشرات الحديثة لظاهرة التكرار: في السياق المعاصر، يمكن أن يتخذ تكرار المشاريع أشكالاً جديدة مثل: تكرار المؤتمرات والقمم دون نتائج ملموسة إطلاق مبادرات متعددة متشابهة دون تنفيذ فعلي واستثمارات في مشاريع ضخمة ذات عائد محدود
يرى ابن خلدون أن تكرار المشاريع ليس دليلاً على القوة بل على الضعف والتراجع. الانفصال عن الواقع: يعكس التكرار انفصال النخبة الحاكمة عن احتياجات المجتمع الحقيقية. التبذير الاقتصادي: يؤدي التكرار إلى استنزاف الموارد ويسرع عملية الانهيار. الأبعاد النفسية: يعبر التكرار عن حالة قلق وحاجة لإثبات الذات لدى النخبة الحاكمة. الدورة الحضارية: يمثل التكرار مرحلة متقدمة من دورة حياة الدولة التي حددها ابن خلدون.
يبقى تحليل ابن خلدون صالحاً لفهم ديناميكيات قيام وسقوط الدول حتى في عصرنا الحديث، حيث نلاحظ أن الدول التي تواجه أزمات وجودية غالباً ما تلجأ إلى مشاريع ضخمة لتلميع صورتها وإثبات شرعيتها، بينما تتراجع قدرتها على معالجة المشاكل الهيكلية الحقيقية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم