تنميط صورة انسان الجزيرة في المخيلة السودانية .. بقلم: خالد موسي دفع الله
15 نوفمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
20 زيارة
kha_daf@yahoo.com
تقول النكتة الانجليزية الشائعة إن الألمان يحسنون صناعة الأجهزة والآلات التي تعمل مدي الحياة لأنهم لا يحتملون الإبتسامة في وجه العميل وهو يطلب خدمات الصيانة في المنافذ المخصصة لذلك. ويقول الأمريكان إن ألمانيا هي دولة تضمر عداوة خفية لروح النكتة والمرح ومفارقات السخرية المالحة . ويرد الطيب صالح تنميط صورة الألمان الي حملة الدعاية التي اصطنعها الحلفاء أثناء الحرب العالمية، لأنهم بالفعل مبدعون في الموسيقي والفن والفلسفة والصناعة والاختراع. وصف القس ترمينغهام في كتابه (الاسلام في السودان) وجود طبقية متجذرة في المجتمع السوداني قائلا كان اهل الحضر يحتقرون بدو الريف وكان الطيب صالح يرصد بعين الفنان الاختلاف البين بين طلاب البوادي والحواضر في مدرسة وادي سيدنا الثانوية وقال كان طلاب المدن أعلي صوتا وصخبا في فناء المدرسة اما عندما تقرع الاجراس وندخل الفصول فنحن الاعلي صوتا.
هذه باب لاستظهار ترميز الصور النمطية لبعض مناطق السودان،وقد لمست غبنا بينا من اهل الجزيرة جراء تنميط صورتهم في المخيلة السودانية، التي تتركز علي الكسل ورجحان ميزان علاقاتهم الاجتماعية علي حساب التزاماتهم المهنية وواجباتهم الوظيفية وضعف ثقافتهم المؤسسية. وكذلك طغيان المشاعية في سلوكهم الاجتماعي وغلبة الفعل الجماعي علي نزعة توجهاتهم الفردية، وخوفهم من سلطة المجتمع في اصدار الاحكام علي سلوك واختيارات الفرد مما يجعلهم اكثر امنا في غزية القطيع اكثر من التميز الشخصي.
في دراسته عن الشخصية السودانية يحدد الدكتور محمد عبدالعزيز الطالب عشرين سمة في الشخصية السودانية مصدرها المجتمع الرعوي وتقاليد البداوة ابرزها المساكنة المتقاربة والتقدير العالي للذات والعشوائية وعدم القدرة علي التخطيط والتنظيم ومجافاة الابداع ونزعة الحنين الي الماضي كما عدد خصائص اخري مصدرها التصوف مثل الزهد والقدرية السالبة وانعدام محفزات الطموح وعرض الذات وغيرها، ولعل الصفات والخصائص التي مصدرها التصوف هي الأكثر شيوعا في الجزيرة بطبيعة المجتمع الذي ينتشر التصوف في مغارس نسيجه النفسي والعقدي والوجداني.
يقول تريمنهجام في كتابه (الإسلام) الذي تصدي لنقده الدكتور عبدالله علي إبراهيم وعده مصدرا باهرا لإغواء الصفوة في السودان،إن التنظيم القبلي وسط القرويين في وسط السودان (الجزيرة) يعتبر ضعيفا او معدوما نسبة لاختلاط وتصاهر القبائل مما جعل النظام المشاعي يحل محل التنظيم القبلي. وكان للتساكن والتصاهر بين القبائل المختلفة في مدن وقري الجزيرة المتعددة دورا كبيرا في تحولها الي اكبر المصاهر الاجتماعية وبلورة وتكوين الشخصية القومية. في قصيدة قطار الغرب وصفهم الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم بأنهم يسمعون رنة قرش في المريخ. لهذا تضيق الجزيرة علي التصنيف القبلي وتعتبر أكبر مركز حيوي للإندماج الإجتماعي في السودان مقارنة بأم درمان ولعل مصدر تفوق أم درمان عليها هو وجود سلطة سياسية مركزية حيث اتخذتها الدولة المهدية عاصمة سياسية وادارية. إن طبيعة المجتمع الزراعي الذي عرف حياة الاستقرار مبكرا خاصة في الجزيرة حسب تصنيف ترمينغهام يزينه هذا الترابط والانسجام بين الإنسان وايقاع الطبيعة، وقال إن ذكاء الإنسان السوداني المستقر هو بالتأكيد ذكاء ساكن عن كونه ذكاء ديناميكي.وأتهم ترمينغهام هذا الإنسان المستقر بأن خبرة أسلافه في صياغة الأمثال المحكمة البليغة التي تعبر عن متغيرات احوال حياته وتنزع نحو تحرير أهتماماته الشخصية هو نمط شخصاني يستطيع أن يصون ويكرر ولكنه لا يستطيع ان يخلق ويبتكر. وقال إن الحل هو فك الإرتباط بين الإنسان والطبيعة وتحريره من تقاليده وارثه وجمود حياته الاجتماعية وهو بالطبع يعني تحريره من قيود ايمانه الديني.
رغم بروز دور الجزيرة التاريخي في بلورة الوعي القومي منذ مؤتمر الخريجين والصفوة الحديثة التي تخرجت من حنتوب ودورها الاقتصادي المميز بإعتبارها مركز الانتاج الزراعي الأول في البلاد إلا أن دورها آخذ في الإضمحلال والضعف والضمور التدريجي حتي فقدت فعاليتها السياسية واشعاعها الفكري وتميزها الفني ودورها الثقافي والإجتماعي في التأثير علي مجمل الاوضاع في السودان.
إن التفكه المرح والبريء لتنميط الشخصيات المناطقية بقصد افشاء روح التسامح وقبول ثقافة الآخر يجب ان يكون بقدر لا يمس عصب الكبرياء الجغرافي ،فضلا عن كونه تعميما مخلا، عليه فإن تنميط شخصية إنسان الجزيرة في المخيلة السودانية وأتهامه بالكسل وغلبة اهتماماته الإجتماعية علي مهام واجباته الوظيفية والمهنية ومشاعية سلوكه الإجتماعي وانعدام الخصوصية وتحكم الذهنية الجماعية علي روح الإبداع الفردي نابع من فقدان الجزيرة ككيان جغرافي لدورها السياسي التاريخي، وضمور مركزها الإقتصادي بإنهيار مشروع الجزيرة وجفاف منابع أبداعها الفني والرياضي. والجزيرة هي مركز الوسط النيلي الذي تتفاعل بين جنبيه مكونات الشخصية السودانية من خلال صيرورة الإندماج القومي والتلاقح الثقافي والحضاري،وعليه فإن أي ضمور في دورها يعني تلقائيا ضعفا كامنا في عملية صيرورة التكوين القومي للشخصية السودانية. إذا اصابت الجزيرة نزلة برد في مركزها الحيوي كمصهر قومي للإندماج الإجتماعي فإن السودان سيصاب بإلتهاب رئوي حاد لن تجد معه مراهم التطبيب وأدوية فتح مسارب الشعب الهوائية وكل أجهزة التنفس الإصطناعي.
إن التكوين الديمغرافي للجزيرة في الوقت الراهن يكشف عن تسارع وتيرة هذا الاندماج، إذ بلغت نسبة العمالة الوافدة للمشروع عام 1946 حوالي 40% من مجمل سكان المنطقة حسب سجلات الإدارة الإستعمارية في ذلك الوقت، ومع ازدياد هذه النسبة سنويا تتعمق عوامل الإنسجام الإجتماعي في المساكنة ومشاركات النشاط الإقتصادي وانعدام نوازع التصنيف القبلي و الجهوي والمناطقي لإستقرار ملكية الأرض وسيادة روح الوئام الإجتماعي والحس القومي. ولعل العامل الأكثر خطورة هي حركة التمدن الكثيفة و حالة الهجرة والتفريغ المستمر من الجزيرة الي الحواضر الكبري لعدم الجدوي الإقتصادية للنشاط الزراعي ولخروج أجيال شابة عافت الزراعة وتوجهت نحو القطاع الحديث في التوظيف والتجارة والتعدين الأهلي فأصبحت دوائر هذا الفراغ الديمغرافي آخذة في الإتساع مما قد يقود الي تحولات عميقة في النشاط الإقتصادي وتوازنات الثروة وتوترات في النسيج الإجتماعي تماما كما حدث في حركة النزوح الي الحواضر بفعل الجفاف والإضطرابات الأمنية مما أدي الي تدمير بنية الإقتصاد الريفي في بعض الأقاليم التي كانت تنعم بالإكتفاء الذاتي وما تزال آثار هذا التجريف للإقتصاد الريفي بادية للعيان الآن وما ترتب عليها من تمظهرات بائسة في تماسك النسيج الإجتماعي و توترات العنف الاهلي.