فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ
Against the Myth of “Founding” Sudan
Towards a Civilisational Logic of “Re-Building”
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
ملخص
يتناول هذا المقال بالنقد والتحليل لجوء بعض الفاعلين المسلحين المعاصرين إلى مصطلح «تأسيس السودان»، بوصفه تعبيراً يتناقض جذرياً مع الحقائق التاريخية والحضارية، وينطوي على نزعة لمحو الاستمرارية التاريخية للدولة والمجتمع. ويجادل المقال بأن السودان ليس كياناً طارئاً حتى يُؤسَّس، بل بناءٌ حضاري تراكمي ممتد لآلاف السنين، وأن الإطار المفاهيمي الأدق للتعامل مع أزمته الراهنة هو «الابتناء» لا «التأسيس». كما يربط بين استدامة التكوين السوداني القديم واعتماده على السلم والتفاعل الحضاري، في مقابل هشاشة أي «تأسيس» مُفْتَرضٍ يُفرَضُ بمنطق السلاح.
1. مدخل مفاهيمي: خطورة المصطلح
المصطلحات ليست محايدة في الفضاءات السياسية والفكرية؛ فهي لا تصف الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله في الوعي الجمعي. ومن هذا المنطلق، فإن شيوع تعبير «تأسيس السودان» في خطاب فاعلين مسلحين معاصرين لا يمكن اعتباره زلة لغوية عابرة، بل هو اختيار مفاهيمي يعكس تصوراً مخصوصاً للدولة والتاريخ والشرعية. فالتأسيس، في معناه الدقيق، يفترض القطيعة مع ما قبله، أو نشوء كيان من عدم، أو إقامة دولة على أنقاض فراغ تاريخي. وهذه كلها افتراضات تتناقض جذرياً مع حقيقة السودان الذي سبق أن أسسه الأجداد منذ آلاف السنين.
2. السودان ككيان حضاري متصل لا كدولة طارئة
يمثل السودان إحدى أقدم مناطق التشكُّل الحضاري المستمر في العالم. فمنذ حضارات كرمة ونبتة ومروي، مروراً بالممالك النوبية والمسيحية، ثم السلطنات الإسلامية وشبكات التجارة العابرة للأقاليم، ظل هذا المجال الجغرافي-البشري فضاءً لإنتاج الدولة، والاقتصاد، والرمز، والتنظيم الاجتماعي، لا مجرد مسرح لتلقي التأثيرات الخارجية.
نحن بإزاء أكثر من خمسة آلاف عام من الاستقرار النسبي، والتراكم المؤسسي، والتعبير الثقافي، والاندماج السكاني. والأهم أن هذا التاريخ لم يكن أحادياً ولا مغلقاً، بل اتسم بتعدد عميق في الأصول الإثنية، واللغات، والمعتقدات، والأنماط المعيشية، والعلاقات مع المحيطين الأفريقي والمتوسطي-الشرقي. بهذا المعنى، فإن السودان لم يُؤسَّس في لحظة، بل تكوَّن وتشكَّل وابتُني عبر قرون طويلة من التفاعل والتراكم.
وتؤكد الأدبيات الأركيولوجية والتاريخية الخاصة بوادي النيل الأوسط أن المجال السوداني مثّل أحد أقدم مسارح تشكّل الدولة والمجتمع المنظم في العالم. فقد كشفت دراسات حضارة كرمة (نحو 2500–1500 ق.م) عن وجود سلطة مركزية، وتنظيم عمراني، ونظم إنتاج زراعي وتجاري معقّدة، سبقت في بعض جوانبها تطورات موازية في وادي النيل الشمالي. كما تمثل ممالك نبتة ومروي (نحو 800 ق.م–350 م) نماذج مبكرة للدولة الإقليمية ذات الرمزية السياسية والدينية المتكاملة، والنظم الإدارية، والاقتصاد المعدني والتجاري الواسع. وفي العصور الوسطى، واصلت الممالك النوبية المسيحية هذا الخيط الدولتي، قبل أن تعيد سلطنة الفونج (القرن السادس عشر–الثامن عشر) وسلطنة دارفور المستقلة إنتاج الدولة السودانية في صيغ إسلامية-أفريقية مركبة، ذات مؤسسات حكم، وجباية، وقضاء، وشبكات دبلوماسية وتجارية عابرة للأقاليم. إن هذا الامتداد، كما توثقه أبحاث أركيولوجيا وادي النيل ونظريات الدولة ما قبل الحديثة، يؤكد أن السودان لم يكن فراغاً سياسياً في أي مرحلة جوهرية من تاريخه، بل مجالاً متصلاً لإعادة تشكّل الدولة، بما ينقض جذرياً أي ادعاء معاصر بـ«تأسيسه» من نقطة الصفر.
إن هذا الاعتداء على التاريخ لا يقتصر على الخطاب، بل هو اعتداء مادي مباشر، متعمد ومستمر. فقد ترافقت هذه الحرب في مختلف أنحاء السودان مع هجمات ممنهجة على الذاكرة المادية للبلاد. تعرّض المتحف القومي بالخرطوم، الذي يضم بعضاً من أهم المجموعات الأثرية في أفريقيا من عصور كرمة ونبتة ومروي، للنهب والتخريب. كما تعرّض متحف السلطان علي دينار في الفاشر، بوصفه شاهداً حياً على دولة دارفور المستقلة وتراثها السياسي والثقافي، للاعتداء والنهب. ولم تسلم حتى المقتنيات التاريخية الشخصية للأسر السودانية، من صور ومخطوطات ووثائق وموروثات محلية، من السرقة أو الإتلاف. وهذا ليس «ضرراً جانبياً» للحرب، بل هو حرب على الذاكرة ذاتها. فتدمير المتاحف ونهب التراث الشخصي أفعال تستهدف محو الارتكازات التاريخية للمجتمع السوداني، وتجريده من جذوره، حتى يُترك معلقاً في الفراغ، فتُفرض عليه سردية زائفة عن «تأسيس» السودان على أنقاض ذاكرته.
3. التعدد كجوهر تأسيسي للتجربة السودانية
السمة الأكثر ثباتاً في التجربة السودانية ليست وحدة سلالية ولا تجانساً ثقافياً، بل القدرة التاريخية على استيعاب التعدد وإعادة تركيبه. فقد تشكلت الكيانات السياسية والاجتماعية في السودان عبر الامتزاج لا الإقصاء، وعبر التفاعل لا الاستئصال. وهو ما أفرز أنماطاً معقدة من الهوية والانتماء، لا تختزل في أصل واحد ولا في سردية أحادية.
إن أي ادعاء معاصر بـ«تأسيس السودان» يتجاهل هذه الحقيقة الجوهرية، ويختزل مجتمعاً مركباً في لحظة قسرية، ويستبدل التاريخ الاجتماعي الطويل بسردية إرادية قصيرة النفس.
4. استدامة التكوين القديم ومنطق السلم
تكتسب التجربة السودانية القديمة دلالتها الخاصة ليس فقط من قِدمها، بل من استدامتها. فقد ظل السودان، رغم التحولات والصراعات، يحتفظ بخيط تواصلي حضاري ومجتمعي طويل. ويُرجع هذا الاستمرار، في أحد أبعاده الأساسية، إلى أن التكوين التاريخي للسودان قام في جوهره على منطق السلم والتبادل والتعايش، لا على منطق الإخضاع الشامل.
فالدول والممالك التي تعاقبت في المجال السوداني نشأت غالباً عبر السيطرة التدريجية، والاندماج السكاني، والتحالفات، والتداخل الاقتصادي والثقافي. وهو ما أتاح لها قدراً من القبول الاجتماعي والاستمرارية الرمزية. وعلى النقيض من ذلك، يبين التاريخ أن «التأسيس» الذي يُفرض بمنطق السلاح الخالص، دون جذور اجتماعية أو قبول تاريخي، يحمل في داخله شروط فنائه؛ إذ ما يُقام بالقوة المجردة ينتهي عادة بالقوة ذاتها. فالسلاح لا يؤسس دولاً مستدامة، بل يخلق سلطات مؤقتة سرعان ما تتآكل بزوال ميزان العنف الذي أقامها.
5. حداثة الكيان المسلح ومفارقة الادعاء
تزداد مفارقة خطاب «التأسيس» حدة حين يصدر عن كيان لم يتجاوز عمره أقل من عقد، ولم يتجاوز تبنيه لهذا لشعار التأسيس عاماً واحداً، ثم ينصّب نفسه وريثاً ومؤسساً لكيان حضاري عمره آلاف السنين. هنا لا نكون إزاء تبسيط تاريخي فحسب، بل أمام محاولة لإعادة إنتاج الشرعية عبر اللغة، بعد تعذر إنتاجها عبر العقد الاجتماعي أو الإنجاز الوطني.
إن هذه النزعة لا تعبّر عن جهل بالتاريخ فقط، بل عن تصور أداتي للدولة بوصفها غنيمة يمكن إعلان ولادتها ببيان سياسي أو سيطرة عسكرية، لا بوصفها حصيلة معقدة لتراكم اجتماعي وثقافي ومؤسسي طويل وعميق الجذور.
6. من «التأسيس» إلى «الابتناء»: تصحيح الإطار
البديل المفاهيمي الأكثر اتساقاً مع الواقع السوداني هو «الابتناء». فالابتناء يفترض وجود أصل، وتاريخ، وبناء سابق، ويهدف إلى إصلاحه، وإعادة تركيبه، وتطويره على قواعد جديدة دون محوه. وهو مفهوم يسمح بالجمع بين القطيعة مع أنماط الدولة الفاشلة، والاستمرارية مع الجذور الحضارية للمجتمع.
السودان، في أزمته الراهنة، لا يحتاج إلى «مؤسسين» جدد، بل إلى مشروع ابتناء وطني يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة، والتعدد، والسلم، والشرعية المدنية، مستنداً إلى عمقه التاريخي لا متوهماً تجاوزه.
خاتمة
إن خطورة مصطلح «تأسيس السودان» لا تكمن في عدم دقته التاريخية فحسب، بل في ما يحمله من نزعة لمحو الاستمرارية الحضارية، وتبرير القطيعة القسرية، وتبني تصور عدمي للدولة، وإضفاء قداسة زائفة على سلطة السلاح. في مقابل ذلك، يقدّم مفهوم «الابتناء» أفقاً فكرياً وسياسياً أكثر نضجاً، يقرّ بأن السودان لم يولد اليوم، ولن يُصنع غداً بإعلان، بل يُعاد بناؤه وابتناؤه عبر مشروع وطني سلمي يعترف بالتاريخ، ويستثمر في التعدد، ويؤسس للاستدامة.
وإذا كان «الابتناء» يفترض مشروعاً تاريخياً طويل النفس، قائماً على السلم والشرعية الاجتماعية والتراكم المؤسسي، فإن الفاعل الأجدر بحمله في السياق السوداني الراهن ليس القوة المسلحة، بل الحراك المدني السلمي الذي تبلور منذ ديسمبر 2018. فهذا الحراك لم يستمد مشروعيته من السلاح، بل من المجتمع؛ ولم يرفع شعارات الغلبة، بل شعارات الحرية والسلام والعدالة، وهي في جوهرها ثلاثية ابتنائية بامتياز: حرية تؤسس للمواطنة، وسلام يعيد وصل الدولة بمجتمعها، وعدالة تضمن الاستدامة وتمنع إعادة إنتاج العنف. لقد عبّرت ثورة ديسمبر، بما راكمته من وعي وتنظيم وخيال سياسي، عن أول محاولة سودانية معاصرة واعية للانتقال من منطق «إعادة السيطرة على الدولة» إلى منطق «إعادة ابتنائها». ومن ثم فإن أي مشروع جاد لابتناء السودان لا يمكن أن يتجاوز هذا الرصيد المدني، ولا أن يستبدله بمنطق السلاح، دون أن يعيد إنتاج شروط الفشل نفسها التي قادت إلى الانهيار.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم