باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 24 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
إبراهيم أحمد البدوى
إبراهيم أحمد البدوى عرض كل المقالات

ثالثاً، كيف تدمر الحروب الأهلية الاقتصادات وتقوض الدول ؟ (المقال 11 من 17)

اخر تحديث: 24 أغسطس, 2026 10:15 صباحًا
شارك

على مدى أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثاً أكاديمياً تناولت قضايا الحرب والسلام، وأسبابهما، وآثارهما الاقتصادية والسياسية، نُشر معظمها في مجلات علمية محكَّمة أو كفصول في كتب أكاديمية محكَّمة. وانطلاقاً من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً، صغتها بأسلوب أرجو أن يكون ميسوراً للقارئ العام، دون الإخلال بما تستند إليه من معرفة علمية وشواهد تجريبية. وستُنشر هذه المقالات، بإذن الله، تباعاً خلال الأسابيع القليلة المقبلة في عدد من وسائط الإعلام السودانية، مساهمةً متواضعةً في إثراء الحوار الوطني القائم على المعرفة والأدلة، والمستفيد من تجارب الأمم الأخرى ومن التاريخ السوداني نفسه في معالجة هذه القضايا المصيرية. وتدور هذه المقالات حول أربعة أسئلة رئيسة:
• أولاً، ما هى أسباب الحروب الأهلية، وما أبرز آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟؛
• ثانياً، كيف تنتهي الحروب الأهلية، وكيف يبدأ بناء السلام؟؛
• ثالثاً، كيف تدمر الحروب الأهلية الاقتصادات وتقوض الدول؟؛
• رابعاً، ما هى المتطلبات الأساسية لتحقيق إعادة إعمار اقتصادية وسياسية ناجحة ومستدامة بعد انتهاء النزاعات؟
وفي ختام كل مجموعة من هذه المقالات، سأحاول استخلاص أهم الدروس المستفادة بالنسبة للسودان، وربطها بواقع الحرب الراهنة، أملاً في أن تسهم في إثراء النقاش العام حول سبل إنهاء الحرب وبناء سلامٍ عادلٍ ودائم، ووضع البلاد على مسار التعافي والتنمية المستدامة.
ابراهيم البدوى عبد الساتر


ثالثاً، كيف تدمر الحروب الأهلية الاقتصادات وتقوض الدول ؟ (المقال 11 من 17)
صناعة اللحوم في “زمن الكوليرا”: حين تتحول التنمية إلى “هلوسة حرب”
تُقرأ رواية الأديب العالمى الكبير غابرييل غارسيا ماركيز “الحب في زمن الكوليرا”(1) من زاوية بوصفها احتفاءً بعاطفة جارفة تتحدى الزمن، لكنها تبدو من زاوية أخرى عاطفة ساذجة تكاد تلامس الهلوسة؛ إذ يختلط فيها الحب بالحمّى، والإخلاص بالاستحواذ، والأمل بإنكار الواقع. وتزداد المفارقة عمقاً لأن الكوليرا في الرواية ليست مجرد مرض، بل استعارة لبيئة أنهكتها الأوبئة والعنف والحروب الأهلية. ورغم أن ماركيز لا يذكر صراحةً الحرب الأهلية التي شهدتها بلاده، كولومبيا، والمعروفة بحرب الألف يوم، التي دارت بين عامي 1899 و1902، فإن آثارها تتسلل إلى المشهد في صور جنود جرحى، وقرى تُنهب، وأناس يتعايشون مع الموت حتى يصبح العنف جزءاً عادياً من الحياة، شأنه شأن الوباء.
وبهذا المعنى، تبدو دعاوى سلطات الأمر الواقع في بورتسودان بشأن بناء صناعة لحوم سودانية حديثة في خضم الحرب، ضمن شراكة استراتيجية محتملة مع إندونيسيا(2)، أشبه بمحاولة بناء “صناعة لحوم في زمن الكوليرا”. فالفكرة في ذاتها جذابة ومنطقية، بل وضرورية لمستقبل الاقتصاد السوداني؛ غير أن طرحها بمعزل عن واقع الحرب يحول رؤية تنموية مشروعة إلى ما يشبه الهلوسة الاقتصادية.
ولوضع هذا الموضوع في سياقه المرجعي، أشير إلى أنني تناولتُ، في مقال سابق(3)، موضوع “التحول الهيكلي في القطاع الزراعي وممرات النمو حول المدن المنتجة”، مستنداً إلى أحد أهم التقارير الصادرة ضمن مشروع منتدى البحوث الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (https://erf.org.eg/) حول قضايا التنمية في السودان. ويتألف هذا التقرير، المعنون “تحديات السودان وفرصه: مشروع نهضوي للسودان، من الزراعة المتخلفة إلى النمو الزراعي-الصناعي والتنمية المستدامة”، من 108 صفحة، وهو متاح عبر الرابط المرفق: (1659257696_282_6382995_prr40 (21).pdf) – والجدير بالذكر أن التقرير أعدّه فريق بحثي متعدد التخصصات، ضم سبعة خبراء سودانيين من الزراعيين والاقتصاديين والمهندسين.
يقترح التقرير نموذجاً تنموياً للسودان يستند إلى تحديث القطاع الزراعي وزيادة إنتاجيته من خلال ممرات النمو الزراعي-الصناعي. وقد أشرتُ إلى أن أهم الإسهامات الابتكارية للتقرير تكمن في “إعادة تصور التحول الزراعي بوصفه مشروعاً مكانياً وهيكلياً يتمحور حول ممرات للنمو الزراعي-الصناعي ترتكز على مدن إنتاجية. فبدلاً من تشتيت الموارد العامة الشحيحة على مساحات ريفية شاسعة، يقترح التقرير تركيز البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتمويل، وخدمات الإرشاد الزراعي في عقد حضرية مختارة بعناية، ترتبط بأحزمة زراعية قوية”. كما حاججتُ بأن “الأدلة المستقاة من تاريخ السودان نفسه، ومن التجارب الدولية المقارنة، تشير إلى أن هذا التركيز المكاني شرطٌ أساسي لتحقيق وفورات الحجم، وخفض تكاليف المعاملات، وتمكين نمو مستدام في الإنتاجية والقيمة المضافة”.
ونستعرض أدناه استراتيجية الانتقال بقطاع الثروة الحيوانية في السودان ــ وهو قطاع واعد، لكنه لا يزال تقليدياً ومحدود التطور التكنولوجي ــ إلى قطاع حديث قادر على رفد صناعات متطورة ومستدامة للحوم والجلود وسائر المنتجات الحيوانية. ثم نناقش كيف تقف الحرب عائقاً جوهرياً أمام تنفيذ هذه الاستراتيجية، بما يؤكد أن وقفها يمثل الشرط التأسيسي والرافعة الأهم لنجاح الاستراتيجية واستدامتها.

تقرير منتدى البحوث الاقتصادية – قاعدة موارد الثروة الحيوانية:
بحسب التقرير ومصادر أخرى، يمتلك السودان أحد أكبر أعداد الماشية في أفريقيا، ولديه، من حيث المبدأ، القاعدة المواردية اللازمة ليصبح منتجاً إقليمياً ودولياً رئيسياً للحوم والجلود والمنتجات الحيوانية الأخرى، حيث يقدَّر حجم القطيع الوطني بنحو 116 مليون رأس في عام 2023، مما يؤكد الحجم الاستثنائي للثروة الحيوانية في السودان. ويدعم هذا القطاع سبل عيش أكثر من نصف السكان، ويولد الصادرات والعملات الأجنبية، ويكتسب أهمية خاصة للمجتمعات الرعوية والزراعية-الرعوية.
يميز تقرير بين ثلاثة أنظمة إنتاج رئيسية:
• الرعي البدوي، الذي يمثل حوالي 16 في المائة من أعداد الماشية، ويتركز على الإبل والأغنام والماعز الصحراوية.
• الزراعة الرعوية المتنقلة، التي تمثل حوالي 60 في المائة من قطعان الماشية، وتكتسب أهمية خاصة بالنسبة للماشية والأغنام والماعز.
• الزراعة المختلطة المستقرة، التي تمثل ما يقرب من 20 إلى 30 في المائة، حيث يتم دمج الثروة الحيوانية مع إنتاج المحاصيل المطرية وتوفر اللحوم والحليب والدخل والحماية من فشل المحاصيل.
يستوعب قطاع الزراعة المطرية التقليدية أكثر من ثلثي الماشية في السودان، بما في ذلك ما يقدر بنحو 45 في المائة من الأبقار، و37 في المائة من الأغنام، و32 في المائة من الماعز، و65 في المائة من الإبل. وتدعم هذه الثروة المراعي الشاسعة، ومخلفات المحاصيل، والمناطق البيئية المتنوعة، والمعرفة الرعوية المتراكمة. كما يتمتع السودان بقربه من الأسواق سريعة النمو في مصر ودول الخليج والمنطقة العربية الأوسع وأجزاء من أفريقيا، فضلاً عن إمكانية الوصول إلى الأسواق الدولية.
تقرير منتدى البحوث الاقتصادية – استراتيجية لصناعة لحوم حديثة:
يؤكد التقرير على ضرورة أن يتحول السودان من تصدير الحيوانات الحية والجلود الخام بشكل أساسي إلى اقتصاد متكامل للثروة الحيوانية ذي قيمة أعلى. وتستند استراتيجيته إلى عدة مكونات متكاملة:
أولاً، يجب زيادة إنتاجية الحيوانات من خلال تحسين السلالات، والخدمات البيطرية وخدمات التطعيم، ومراقبة الأمراض، وتحسين المراعي، ونقاط المياه، ومصانع الأعلاف، وحظائر التسمين، والبحوث والإرشاد في مجال الثروة الحيوانية. ويجب إيلاء اهتمام خاص لإعادة تأهيل المراعي وحماية مسارات الرعي التقليدية من التعدي عليها.
ثانياً، يجب تنظيم الرعاة وصغار مربي الماشية في تعاونيات وجمعيات منتجين. ومن شأن هذه المنظمات أن تحسّن الوصول إلى التمويل والتأمين والمدخلات البيطرية ومعلومات السوق والعلاقات التعاقدية مع شركات التصنيع والمصدرين . وستكون لجان الأراضي والآليات الموثوقة لحل النزاعات بين المزارعين والرعاة ضرورية لحماية مناطق الرعي المشتركة وضمان أمن الاستثمار.
ثالثاً، ينبغي على السودان إنشاء مسالخ حديثة، ومرافق لتجهيز اللحوم وتعليبها، وأنظمة تخزين ونقل مبردة، وصناعات تستخدم الجلود والجلود الخام وغيرها من المنتجات الحيوانية الثانوية. ويوصي التقرير على وجه التحديد بتطبيق نظام تحليل المخاطر ونقاط المراقبة الحرجة في جميع مراحل سلسلة القيمة، وتعزيز الشهادات البيطرية، والتصنيف، وإمكانية التتبع، وضوابط سلامة الأغذية لتلبية متطلبات الأسواق الدولية.
رابعاً، ينبغي تنظيم عملية التحول جغرافياً حول ممرات زراعية صناعية، تشمل:
• نيالا – الضعين – زالينجي-الجنينة كممر رئيسي للحوم البقر واللحوم والجلود.
• النهود – غبيش – الخوى كمراكز رئيسة لتصنيع لحوم الأغنام ذات الجودة التصديرية، والأعلاف الحيوانية، والجلود.
• الأبيض – أم روابة – بارا – سودري؛ وكادوقى – رشاد – أبوجبيهة كمراكز أخرى لصناعة اللحوم والأعلاف الحيوانية، والجلود.
• الخرطوم – شندي – عطبرة للتصنيع المتكامل للحوم والدواجن ومنتجات الألبان والجلود.
• الجزيرة – المناقل، وسنار – الدمازين، والقضارف- الرهد لإنتاج الأعلاف وتسمين الماشية.
• حلفا الجديدة- كسلا: لتسمين الماشية المرتبطة بميناء سودان.
• كوستي – الدويم لإنتاج اللحوم ومنتجات الألبان.
• مروى – دنقلا – حلفا للذبح والتجهيز الموجه جزئياً نحو السوق المصرية.
وستمول الاستثمارات العامة الطرق والكهرباء والمياه والبحوث والبنية التحتية البيطرية والوصلات بالمطارات والموانئ. وسيوفر المستثمرون المحليون والدوليون رأس المال والتكنولوجيا لمزارع التسمين والمسالخ وسلاسل التبريد ومصانع المعالجة وتسويق الصادرات.

الشراكة المقترحة مع إندونيسيا:
تتوافق المبادرة السودانية-الإندونيسية التي أُعلن عنها في يوليو 2026 بشكل عام مع الاستراتيجيةالشاملة المقترحة فى تقرير المنتدى، حيث أفادت بأن الاستثمار الإندونيسي يشمل مجالات إنتاج اللحوم وتجهيزها، وبناء مسالخ حديثة تستوفي المعايير الدولية، ومنشآت لمنتجات اللحوم، والتعاون التقني في تربية الماشية، وتشخيص الأمراض، والبحوث البيطرية، وإنتاج اللقاحات، وتربية الأحياء المائية. يمكن أن تكون إندونيسيا شريكاً قيماً بفضل سوقها المحلي الكبير وخبرتها في إنتاج الأغذية الحلال وتجهيزها وإصدار شهادات الحلال. ويمكن أن تساعد هذه الشراكة السودان على الاحتفاظ بقيمة أكبر محلياً، وخلق فرص عمل تتطلب مهارات، وتنويع الصادرات، وتقليل الاعتماد على مبيعات الحيوانات الحية.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين هذه المناقشات وبين اتفاقية استثمار نهائية، أو تمويل مضمون، أو خطة عمل قابلة للتنفيذ. وحتى لو تم توقيع مثل هذه الاتفاقية، فإن جدواها ستعتمد على شروط دمرتها الحرب الحالية إلى حد كبير: الوصول إلى الأراضي، وإمدادات موثوقة من الحيوانات، والنقل الآمن، والكهرباء، والتبريد، والشهادات البيطرية، والتمويل، والتأمين، والعقود القابلة للتنفيذ، وسلطة سياسية مستقرة.
هنا تبدأ “الكوليرا”- الحرب تقطع سلسلة الصناعة:
أُعدت الاستراتيجية فى تقرير المنتدى المشار إليه أعلاه قبل اندلاع حرب أبريل 2023. ولا تزال توصياتها الأساسية سارية، لكن الحرب قد غيّرت جدواها بشكل جذري. فقد أصبحت المناطق ذاتها التي تضم أكبر موارد الماشية في السودان مسارح رئيسية للصراع، وهكذا تتمزق سلاسل الإنتاج والقيمة في كل حلقة تقريباً: القطعان والرعاة في مناطق نفوذ متحاربة؛ المراعي والمياه ومسارات الحركة غير آمنة؛ الأسواق الأولية والمحاجر والمختبرات ومراكز التحصين معطلة؛ والطرق والكهرباء والتبريد والنقل والتمويل والتأمين غير منتظمة. ولا يستطيع مصنع في الشرق الحصول على إمداد مستقر من الحيوان إذا كانت مناطق الإنتاج والأسواق ومسارات النقل موزعة بين جبهات متحركة وسلطات متنافسة.
كما أشرنا فى مقالنا السابق(4)، تدمر الحرب الاقتصادات عبر خمس قنوات متضافرة، ذات تأشير مباشر على قطاع الثروة الحيوانية ومجمل سلاسل القيمة، بما فيها أى مشروع محتمل لبناء صناعة لللحوم ذات جدوى اقتصادية. فهي تدمر الأصول حين تُنهب القطعان أو تُقتل أمهات التناسل وتُخرب البنية الأساسية؛ وتعطل الإنتاج والتجارة والنقل والخدمات البيطرية؛ وتحول الموارد العامة من البحث واللقاحات والطرق إلى الإنفاق العسكري؛ وتستنزف المدخرات حين يضطر الرعاة إلى البيع الاضطراري وتنفق الشركات على الحراسة والجبايات؛ وتدفع إلى إحلال الأصول السائلة والآمنة نسبياً، كالذهب والعملات الأجنبية والعقارات الخارجية، محل الاستثمار طويل الأجل. والنتيجة أن المنشآت الثابتة تصبح أصولاً عالقة محتملة، فيحجم المستثمر المسؤول أو يطالب بعوائد وحماية تعكسان مخاطر استثنائية.
من مشروع وطني إلى جزيرة في اقتصاد الحرب: الخطر لا يقتصر على تعثر المشروع. فقد تنشأ في ظل الحرب منشأة معزولة أو جيب تجاري ضيق يعتمد على الحماية العسكرية، وعلى صفقات مع القوى المسيطرة على القطعان والطرق والتراخيص والعملات الأجنبية. وعندئذ تتحول إمكانية الوصول إلى الحيوان والنقل والتصدير إلى ريع تتقاسمه جهات مسلحة ووسطاء ذوو صلات سياسية، بدلاً من أن تتحول الثروة الحيوانية إلى قاعدة للتنمية الوطنية.
وفي مثل هذا السيناريو لا تبني المنشأة سلسلة قيمة متكاملة، بل تعمق “السوق السياسي” الذي تباع فيه الحماية والنفوذ والوصول إلى الموارد. وقد تستحوذ المؤسسات المسلحة على العائد الأعلى في حلقات المعالجة والتصدير، بينما يُقصى الرعاة وصغار المربين الذين يملكون القطيع ويحافظون عليه ويتحملون مخاطر المناخ والنزوح والعنف. وبدلاً من توزيع مكاسب التصنيع، يضيف المشروع مورداً جديداً إلى اقتصاد الحرب.
ما الذي لا يزال يمكن فعله أثناء الحرب:
لا يعني هذا أن على السودان التخلي عن استراتيجية تقرير المنتدى الآنف الذكر أو التعاون مع إندونيسيا. بل يجب أن يصبح كلاهما عنصرين أساسيين في إعادة الإعمار بعد الحرب. ويمكن أن تستمر الأعمال التحضيرية في عدة مجالات: دراسة متطلبات السوق الإندونيسية والأسواق الدولية الأخرى؛ وضع بروتوكولات شهادات الحلال وسلامة الأغذية والشهادات البيطرية؛ تصميم برامج لتدريب القوى العاملة ونقل التكنولوجيا؛ إعداد التصاميم الفنية لسلاسل التبريد والمسالخ ومرافق المعالجة؛ إجراء إحصاء موثوق للماشية بعد انتهاء الحرب؛ رسم خرائط للبنية التحتية والأسواق والمراعي وطرق الرعي المتضررة؛ التشاور مع الرعاة والتجار والأطباء البيطريين ومصنعي المنتجات الحيوانية والمجتمعات المتضررة والسلطات الحكومية؛ وضع قواعد شفافة للاستثمار وتقاسم المنافع تحمي المجتمعات الرعوية.
ولكن يجب عدم الخلط بين التحضير والتنفيذ. فاستراتيجية وطنية قابلة للتطبيق في مجال الثروة الحيوانية واللحوم تتطلب وقفاً مستداماً لإطلاق النار وتسوية سياسية؛ وسلطة عامة موحدة وشرعية؛ وطرقاً آمنة للرعي والتجارة؛ واستعادة أنظمة الطب البيطري والتطعيم؛ ووجود خدمات فعالة في مجالات الكهرباء والنقل والتمويل والتأمين؛ وعقوداً قابلة للتنفيذ؛ وقواعد يمكن التنبؤ بها تحكم الأراضي والضرائب وشهادات التصدير.
السلام هو أول مشروع تنموي:
لا يفتقر السودان إلى الثروة الحيوانية أو الموقع أو الخبرة المحلية أو الشركاء المحتملين. ما يفتقر إليه الآن هو الأساس السياسي والأمني والمؤسسي الذي يجمع هذه العناصر في اقتصاد منتج. لذلك فإن التسلسل الصحيح واضح: إنهاء الحرب؛ إعادة توحيد الاقتصاد تحت سلطة مدنية شرعية؛ استعادة الأمن وسيادة القانون؛ ثم تعبئة الثروة الحيوانية والشراكات الدولية من أجل التحول الصناعي.
السلام ليس مجرد شرط تمكيني بين شروط كثيرة، بل هو الاستثمار الأول الذي لا غنى عنه. فهو أول طريق آمن، وأول سوق منتظمة، وأول مختبر بيطري فاعل، وأول سلسلة تبريد موثوقة، وأول ضمانة للرعاة والمستثمرين معاً. وإلى أن تنتهي الحرب، ستظل استراتيجية تقرير منتدى البحوث الاقتصادية والمبادرة الإندونيسية لصناعة اللحوم طموحين صالحين لمرحلة الإعداد وإعادة الإعمار، لكن أي تنفيذ واسع في الحاضر معرض لأن يصبح جزءاً من اقتصاد الحرب لا مشروعاً للتنمية الوطنية.

ومن دون سلام وسلطة مدنية شرعية، ستبقى الوعود بصناعة لحوم عالمية في السودان، مهما بدت عاطفية وجذابة، أقرب إلى “الحب في زمن الكوليرا”: شغفاً جارفاً ينفصل عن الواقع حتى يكاد يصبح هلوسة.

(1) غابرييل غارسيا ماركيز هو روائي كولومبي شهير، وُلد عام 1927 وتوفي عام 2014. يُعد من أعلام الأدب العالمي ورائد مدرسة الواقعية السحرية. حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1982. روايته “الحب في زمن الكوليرا”، تم نشرها في عام 1985 وتم تحوليها لفيلم سينمائي يحمل ذات الاسم.
(2) أنظر الرابط: https://jakartaglobe.id/business/sudan-invites-indonesian-investment-in-agriculture-and-halal-industry
(3) أنظر المقال فى هذا الرابط: https://alghadalsudani.com/22351/
(4) أنظر مقال ” لماذا تُعد الحرب أسوأ عدو للتنمية: تأملات حول الحروب الأهلية السودانية؟”- ابراهيم البدوى عبد الساتر، صحيفة الغد السودانى الأليكترونية، 16 أغسطس، 2026: https://alghadalsudani.com/31950/

Author
إبراهيم أحمد البدوى

إبراهيم أحمد البدوى

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
هل يستطيع مجلس الأمن وقف حرب السودان؟
الطيب مصطفى
مؤتمر جوبا بين الميرغني وحسنين..!! .. بقلم: الطيب مصطفى
انهيار التدابير الامنية امام طوفان بشري هادر في شوارع العاصمة السودانية .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا
عثمان ميرغني
(ما دوامة) ..!!
منبر الرأي
ايها السودانيون…احذروا الخنوع او الاستجابة لمحاولات فرض التطبيع او التعايش مع سيناريو الدولة الفاشلة .. بقلم: محمد علي مسار الحاج

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

دارفور: قياس المنجز التاريخي علي الغائب الجغرافي .. بقلم: دكتور الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو
منبر الرأي

إقالة الفريق طه عثمان: هل هى البداية لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة؟ .. بقلم: د/يوسف الطيب محمدتوم/المحامى

طارق الجزولي
منبر الرأي

عن التجديف بيد واحدة .. بقلم: شاهيناز عثمان

طارق الجزولي
منبر الرأي

السودان والمستقبل: النموذج اللبناني؟ .. بقلم : مجاهد بشير

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss