ثقافة القوة مقابل قوة الثقافة: لماذا ينتصر السلاح على الحوار؟

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

تُعد العلاقة بين القوة والثقافة من أكثر الثنائيات حضوراً في تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية في البيئات المأزومة. فالمجتمعات التي تعاني من هشاشة في بناء الدولة، وضعف في مؤسساتها، وغياب لمشروع وطني جامع، تجد نفسها أمام معادلة مختلة تنتهي بتغوّل ثقافة القوة على قوة الثقافة. وتشكل هذه الظاهرة محوراً مركزياً لفهم أسباب استمرار النزاعات المسلحة في السودان وجنوب السودان والعديد من دول المنطقة، حيث يتحول السلاح من وسيلة إلى غاية، ومن أداة دفاعية إلى لغة سياسية كاملة. وفي هذا الإطار تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك جذور هذه المعضلة، وبيان العوامل السياسية والاجتماعية والتاريخية التي جعلت السلاح ينتصر على الحوار، مع محاولة بناء إطار نظري لفهم العلاقة الملتبسة بين الثقافة والعنف في المجتمعات الهشة. إن تحليل ظاهرة انتصار السلاح يبدأ من فهم طبيعة الدولة في البيئات غير المستقرة. فالدولة الحديثة، وفق النظريات السياسية، تقوم على احتكار العنف المشروع، وتستخدم هذا الاحتكار لإدارة المجتمع بالقانون، وضمان النظام العام، وتنظيم العلاقات بين المواطنين. غير أن هذا المفهوم ينهار كلياً عندما تفقد الدولة القدرة على السيطرة، سواء بسبب ضعف مؤسساتها، أو بسبب عدم شرعية السلطة الحاكمة، أو نتيجة تفكك الهوية الوطنية نفسها. ففي هذه الحالة يصبح السلاح متاحاً لجهات متعددة، ويتحول إلى أداة لخوض صراع سياسي خارج إطار الدولة، وتفقد الثقافة قدرتها على لعب دورها في التوعية والتوجيه وخلق التوافق. وتظهر هنا قضية غاية في الأهمية، وهي أن الانتصار الدائم للقوة المسلحة ليس ناتجاً فقط عن وجود السلاح، بل عن غياب منظومة قادرة على جعل الثقافة عنصراً فاعلاً في تشكيل الوعي الجمعي. فالثقافة تحتاج إلى بيئة مستقرة، ومؤسسات تعليمية فعالة، ونظام إعلامي مستقل، ومساحة واسعة للحريات الفكرية والسياسية. وكل هذه الشروط غائبة بدرجات متفاوتة في الدول التي تعاني من النزاعات المزمنة. ونتيجة لذلك يصبح المجال العام مستباحاً للغة القوة، بينما تنحسر الثقافة إلى الهامش بوصفها نشاطاً نخبوياً لا يمتلك أدوات التأثير الفاعل. ويُضاف إلى ذلك الإرث التاريخي الذي لعب دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة القوة على حساب قوة الثقافة. ففي العديد من الدول الإفريقية، ورثت النخب الحاكمة بنية استعمارية قامت على الإقصاء الجغرافي والسياسي، وعلى استخدام القوة كأداة للحكم. وبمجرد رحيل المستعمر، وجدت النخب نفسها أمام دولة ضعيفة، لكنها احتفظت بنفس الأدوات التي استخدمها الاستعمار. فبدلاً من بناء مؤسسات ديمقراطية، تم تعزيز الأجهزة الأمنية، وتم تسييس الجيش، وتحولت السلطة إلى مجال مغلق يخضع لمنطق القوة. وهذا الإرث التاريخي جعل العنف جزءاً من بنية الدولة لا مجرد ظاهرة عابرة. وتظهر آثار هذه البنية في أنظمة التعليم، حيث يغيب تعليم قيم التعددية، وإدارة الاختلاف، وثقافة السلم الاجتماعي، ويتسيد خطاب التنافس والإقصاء. كما يتراجع دور المثقفين لصالح قادة القبائل أو أصحاب النفوذ العسكري، لأن الأخيرة لديها أدوات التأثير الفوري بينما الأولى تعتمد على تأثير بطيء لكنه راسخ. وحين يُربّى جيل كامل في بيئة تحتفي بالقوة وتحتقر الحوار، يصبح من الطبيعي أن ينتصر السلاح لا لأن المجتمع يريد الحرب، بل لأنه لا يعرف كيفية إدارة النزاعات بغير العنف. كما أن الاقتصاد السياسي للعنف يلعب دوراً محورياً في هذه الظاهرة. فالحروب، رغم دمارها، تخلق شبكات مصالح معقدة تشمل قادة عسكريين، وتجار سلاح، وشخصيات سياسية. وتتحول الحرب إلى مصدر سلطة وثروة، ويصبح وقفها تهديداً لتلك الشبكات. وفي مثل هذه السياقات، يُهمَّش الحوار لأنه يهدد مصالح من يستفيدون من استمرار الصراع. ويؤدي هذا إلى إعادة إنتاج العنف جيلاً بعد جيل، حتى يصبح السلاح مؤسسة موازية للدولة. ولا يمكن فهم انتصار السلاح دون دراسة طبيعة الهويات المحلية. ففي ظل غياب الدولة الوطنية الجامعة، تتقدم القبيلة أو المجموعة الإثنية لتشكيل الإطار الذي يوفر الأمان الاجتماعي والسياسي. وفي هذه الحالة يصبح السلاح رمزاً للكرامة والحماية، ويتحول الدفاع عن الجماعة إلى حق مقدس. أما الثقافة الوطنية الجامعة، فتفقد قيمتها لأنها لا ترتبط مباشرة بالبقاء. وهنا تظهر الإشكالية الكبرى: الثقافة تحتاج إلى دولة، والدولة تحتاج إلى ثقافة. وإذا انهار أحدهما، انهار الآخر. إن الخروج من هذه المعضلة يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والثقافة. فلا يمكن للثقافة أن تنتصر ما لم تعاد هيكلة المؤسسات التعليمية والإعلامية، وما لم يتم تعزيز دور المثقف باعتباره فاعلاً اجتماعياً لا مجرد شاهد على الأحداث. كما يتطلب الأمر بناء نظام سياسي قائم على المشاركة لا الإقصاء، وعلى الشرعية لا القوة، وعلى الثقة لا الخوف. وحين يشعر المواطن بأن الدولة تمثله وتحميه، سيتراجع دور السلاح تدريجياً، لأن السلاح يمثل في جوهره تعبيراً عن فقدان الثقة في الدولة. وبناء على ذلك، فإن إعادة الاعتبار لقوة الثقافة يتطلب مشروعاً وطنياً يعيد تشكيل الوعي العام حول معنى القوة ومعنى الحوار. فالقوة لا ينبغي أن تُختزل في السلاح، بل في القدرة على بناء مجتمع قادر على إدارة تنوعه. والحوار لا ينبغي أن يُنظر إليه كضعف، بل كقيمة مركزية لبناء دولة حديثة. والتاريخ يثبت أن الدول التي انتصرت فيها الثقافة كانت أكثر استقراراً وأقدر على مواجهة الصراعات، بينما الدول التي انتصر فيها السلاح انهارت أو انقسمت أو غرقت في دوامات عنف طويلة. وتخلص الفكرة إلى أن انتصار السلاح على الحوار ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة لشروط اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية يمكن تغييرها. لكن هذا التغيير يتطلب إرادة سياسية واعية، واستثماراً طويل المدى في بناء الإنسان، وإيماناً حقيقياً بأن مستقبل الدول لا يُبنى بالقوة المسلحة، بل بقوة الثقافة التي تعيد تشكيل الوعي وتؤسس لمشروع وطني جامع. وما لم تُبْذَل هذه الجهود، ستظل ثقافة القوة هي الحاكمة، وسيبقى الحوار مجرد صوت خافت في زمن الرصاص.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …