ثلاث سنوات من النزيف: متى نغيّر السؤال؟

مختار العوض موسى
mokhtaralawad@gmail.com

الحرب الدائرة حاليًا في السودان سبق أن حذّرتُ من تداعياتها وأخطارها وآثارها، وما ستجرّه علينا من أوجاع وويلات، قبل سبعةٍ وخمسين يومًا من اندلاعها. غير أنّ تحذيراتي – كما في المثل السوداني المعروف: «المكتولة ما بتعرف الصياح» – لم تجد آذانًا صاغية.
فعندما «بلغت القلوب الحناجر» من شدة الخوف والهلع جرّاء احتمالات انفجار الأوضاع، كنتُ قد طرحتُ، في مقال نُشر بتاريخ 18 فبراير 2023م بصحيفة الراكوبة تحت عنوان: «متى تصبح علاقة المكوّن العسكري مع الدعم السريع سمنًا على عسل؟»، جملةً من التساؤلات التحذيرية، من بينها:
هل يمكن أن تقود العلاقة بين الطرفين إلى ما لا يُحمد عقباه؟ (نعم، وهذا ما حدث).
هل يجتمعان على هدف واحد يحقق مصلحة الوطن؟ (لم يتحقق، وقد فات أوان ذلك).
هل كان الوطن هو الهمّ المشترك أم المصلحة الشخصية والتشبث بكرسي الحكم؟
وهل التصريحات التهديدية المتبادلة كانت تضرّ بالطرف الآخر أم بالوطن الجريح؟ (لقد أضرّت بالوطن وألحقت به دمارًا هائلًا).
وهل كان التباعد بينهما واضحًا؟ (نعم، وبرز بجلاء في الأشهر الأخيرة التي سبقت الحرب).
وإلى أي مدى يمكن أن يتوحّدا في جيشٍ وطنيٍّ واحد، مشرف، ذي سيادة، يعيد للوطن هيبته المسلوبة؟ (لم ولن يتوحّدا، ولم ولن يصبحا لحمةً واحدة).
وغيرها من الأسئلة التي لم تكن ترفًا فكريًا، بل قراءةً متأنيةً لفوضى خارطة السياسة الوطنية، التي كان يعكّر صفوها سيلُ تصريحاتٍ لا تفيد الوطن في شيء، بل تزيده سوءًا.
وقتها طالبتُ بوضوحٍ وشدّة بتخفيف الأخطار المحدقة، وبتكثيف الحراك السياسي لضمان استدامة الجهود الرامية إلى تحقيق السلام في السودان. كما طالبتُ، في السياق ذاته، بإدماج أكثر من 87 حركة مسلّحة في جيشٍ وطنيٍّ موحّد، تحكمه عقيدة عسكرية مهنية صارمة، بعيدة عن أي انتماءات سياسية أو حزبية بغيضة، حفاظًا على كيان الدولة ومستقبلها.
وفي المقال نفسه تساءلت:
ألا نحتاج فعلًا إلى إنهاء خلافاتنا والاستفادة من اختلافاتنا وتنوّع ثقافاتنا لضمان بقاء الوطن قويًا؟
ألا ينبغي نبذ الجهوية البغيضة التي لا تجلب للبلاد سوى مزيدٍ من الدمار والهلاك؟
ألا يجدر بنا دمج رؤى أكثر من 500 قبيلة في وحدة وطنية متكاملة يسودها التفاهم والوئام، لتحصين السودان من الأطماع الخارجية والتجاذبات الداخلية التي تعصف بمقدراته وموارده؟
كانت تلك الأسئلة، وغيرها، تحذيراتٍ صريحة من خطرٍ وشيك… وبعد شهرٍ وعشرين يومًا فقط، وقع ما وقع وحدث ما حدث.
واليوم، بعد مضي ما يقارب ثلاث سنوات على حربٍ دمّرت كل شيء، يفرض السؤال نفسه بإلحاح مؤلم وصادق:
ماذا نحن فاعلون؟
هل نبحث عن تبرير أم عن محاسبة؟
بينما الحقيقة الواضحة، وباختصار شديد، أننا ننـزف أكثر مما نُعزز استقرارنا، ونتجادل أكثر مما نُنقذ، ونستهلك الألم أكثر مما نحوّله إلى فعلٍ إيجابي لصالح الوطن.
وإذا أردنا تفكيك المشهد بلا مواربة، نجد حراكًا عسكريًا وقوى مستنفرة تسعى لإنهاء الحرب بالدحر النهائي للدعم السريع. لكن السؤال الجوهري: متى؟
بعد سنة؟ سنتين؟ ثلاث سنوات أخرى… والبلاد تنزف؟
في المقابل، لا تزال الازدواجية قائمة في كل شيء، والانشغال حتى النخاع بصراع «من يحكم» بدلًا من «كيف نُنقذ» ما تبقّى من وطنٍ جريح.
مؤسسات إمّا معطّلة أو عاجزة، ونخبٌ سياسية – للأسف – تعيش خارج الزمن السوداني؛ خطاباتها انتقامية أو تبريرية أو منفصلة عن واقع الناس.
يعيش كثيرون منهم في أبراجٍ عاجية، داخل أفخم الفنادق، دون رؤيةٍ جامعة، أو مشروع بناءٍ مقنع، أو حتى اعتذارٍ شجاع عن أخطاء الماضي. ما يؤكد أن هذه النخب أصبحت جزءًا من الأزمة أكثر من كونها جزءًا من الحل.
أما على مستوى المجتمع، فتبرز المفارقة المؤلمة والمشرّفة في آنٍ واحد؛ فالمجتمع السوداني صمد بكل مكوّناته، وكان في الموعد كعادته. تجلّى التفاعل الإنساني في أبهى صور التكافل، عبر مبادرات قادتها لجان المقاومة والخيرون من أبناء الوطن، مثل مسؤولي شركة تاركو للطيران وتاركو البحرية، وقسم الخالق بابكر، وسعد بابكر، وغيرهم ممن دعموا مبادرات الإيواء والعلاج والتعليم البديل.
يظل المجتمع هو البطل الخفي في هذه الحرب، فقد قاوم ليبقى حيًا، ولا يجوز أخلاقيًا تحميله ما يفوق طاقته، بعد أن بلغ مرحلة إنهاك نفسي وجمعي خطيرة، وبدأ يدخل في حالة تطبيع مأساوي وشنيع مع الموت والخراب وسوء المعيشة.
وسط ذلك، ندور في حلقةٍ مفرغة من نقاشاتٍ عقيمة:
من أطلق الطلقة الأولى؟
هل أنت مع استمرار الحرب أم ضدها؟
إن قلتَ نعم فأنت «بلبوسي»، وإن قلتَ لا فأنت «قحاتي»!
إذًا… ماذا ينبغي أن نكون فاعلين؟
ألا يجدر بنا تغيير السؤال من «من ينتصر؟» إلى «كيف ينجو السودان؟»
ما نحتاجه اليوم، وبإلحاح لا يحتمل التأجيل، بعد إنهاء الحرب، هو مشروع وطني؛ مشروعٌ قبل أن يكون سياسيًا، يكون أخلاقيًا:
يعترف بالأخطاء، ويقدّس حياة السوداني، وينقذه من المعاناة،
ويعيد إليه حلم العيش الكريم في وطنٍ آمنٍ ومستقر.
نحن اليوم أمام مفترق تاريخي:
إما أن نكون جيل إنقاذ للوطن… أو جيل شاهد على الانهيار الكامل.
أما الكيف، فسيجيب عنه التاريخ…
والتاريخ لا يرحم المتفرجين ولا القابعين في المنطقة الرمادية.

والله ثم الوطن من وراء القصد
مرفق رابط المقال التحذيري من الحرب قبل إندلاعها:
https://www.alrakoba.net/31808761/%D9%85%D8%AA%D9%89-%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85/

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

المخدرات في السودان: إعادة تموضع لحرب صامتة مدمرة

مختار العوض موسىmokhtaralawad@gmail.com من لم يمت بالسيف مات بغيره. ومن لم تدمره الحرب، يجد نفسه …