تأمُلات
كمال الهِدَي
أخيراً حُسم الجدل، وأُزِيحت واحدة من أكثر الشماعات تداولاً في الخطاب الإعلامي والجماهيري المرتبط بنادي برشلونة، أعني ما عُرِف إعلامياً بقضية “نيغريرا” وتأثير التحكيم في نتائج المباريات.
ورغم أن القضية ظلت محل أخذٍ ورد واسع في الإعلام الرياضي هناك، فإن ما صدر من جهاتٍ رسمية أعاد النقاش إلى حجمه القانوني والموضوعي، بعيداً عن التوظيف الانفعالي الذي صاحبها في كثير من الأحيان.
من كثرة ما رددت قناة ريال مدريد إكليشيه “نيغريرا” وظُلم الحكام المفترض لناديهم، ظننت أحياناً أنهم يعيشون بيننا، في عالمنا المغضوب عليه، وفي قلب سوداننا المُدمر بأفعال أراذل القوم واتكالية وسطحية كثير من مواطنيه.
فبالأمس أكدت مصلحة الضرائب الإسبانية أن نادي برشلونة لم يدفع أموالاً كرشاوى للحكام من أجل التأثير على نتائج المباريات.
بالطبع، لم ولن تعجب النتيجة التي خلصت إليها مصلحة الضرائب الإسبانية، لأن إعلام النادي الأبيض غريب، وجمهوره أغرب. فقد تعودوا البحث عن حلولٍ لمشكلاتهم في المكان الخطأ. وإلا، كيف بالله عليكم لإعلامٍ وجمهور نادٍ لكرة القدم، يظل لاعبوه يبحثون عن الكرة داخل الملعب لدقائق معدودة بين الفينة والأخرى ولا يجدونها، ورغم ذلك يصرخون بعد المباريات: ” هزمنا التحكيم”؟!
ما عدت لمشاهدة مباراة فاز فيها برشلونة على ريال مدريد، إلا ووجدتُ لاعبي الأخير وكأنهم مجرد متفرجين على نجوم البرسا في تدريب خاص.
فماذا كان بوسع الحكام أن يفعلوا للاعبين “ملكيين” عجزوا، في كثير من المباريات، عن مجارات نجومٍ شبوا على الإبداع، وتشربوا حب الشعار في مدرسة حقيقية اسمها “لاماسيا”؟
الفارق في رأيي بين برشلونة وريال مدريد، يشبه الفارق بين أندية الكرة في بلدنا ونظيراتها في بلدانٍ أخرى بدأت ممارسة الكرة بعدنا، لكنها تجاوزتنا بسنواتٍ ضوئية عديدة.
فبرشلونة مؤسسة حقيقية، ومدرسة كروية قائمة بذاتها، تحترم المؤسسية والتقاليد والقيم التي قام عليها النادي.
بينما في مدريد يعتمدون على رئيس جُل همه هو الصورة الاقتصادية للنادي، لدرجة أنه يمكن أن يقبل باستمرار لاعبٍ متصلف لا يحترم الشعار ولا المدرب ولا الجمهور، لمجرد جدواه الاقتصادية.
أفليس الأجدر بجماهير الريال، أمام مثل هذا الواقع، أن تبحث عن طرقٍ لحل مشكلات ناديها بعيداً عن برشلونة وشماعة التحكيم؟
يعبر كثير من جماهير ريال مدريد عن فرحٍ مفرط بعدد بطولات ناديهم الأوروبية، ويعتبرونها دليلاً على تفوقه، بل وبرهاناً على ظلمٍ تحكيميٍ يتعرض له محلياً.
وهنا يحجب عنهم التعصب حقيقة أن المنافسة أشد ضراوة في الدوري المحلي، الذي يمتد لنحو ستٍ وثلاثين جولة، بينما في أبطال أوروبا يمكن أن يؤدي، خطأ صغير من المدرب، أو سوء طالع، أو حتى قرار تحكيمي في مباراة واحدة، إلى خروج فريقٍ من البطولة. وهو ما تكرر مع برشلونة كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية.
ولو تناولنا الأمر من زاوية سلوك عدد من النجوم البارزين في الناديين، فسنجد أن الفارق كبير أيضاً. فلا وجه للمقارنة، مثلاً، بين سلوك وتصرفات الشافع اليافع يامال وفينيسيوس كنجمين اولين، كل في ناديه. ولا أجد وجه مقارنة أيضاً بين تصرفات أسينسيو وكوباريسي داخل الملعب، ولا بين ما يقدمه بيلينغهام وبيدري.
ومرد ذلك، بالطبع، يعود إلى الاختلاف الكبير بين الناديين في كل شيء.
الخلاصة أن الأندية الكبرى، بما فيها ريال مدريد ليست نماذج مثالية، أو معيبة بإطلاق، بل مؤسسات رياضية تتفوق أحياناً وتتعثر أحياناً، ويظل نجاحها أو إخفاقها نتاج منظومة كاملة، لا تفسير واحد.
وفي النهاية، يبقى من المهم أن نُراجع أيضاً طريقة استهلاكنا نحن للإعلام الرياضي، لأن تضخيم الروايات الأحادية لا يقتصر على أوروبا، بل هو أشد وأعمق في محيطنا المحلي، كما هو الحال في تجارب أنديتنا الكبرى، حيث يبحث كثير من إعلاميي الغريمين التقليديين عن شماعات يعلقون عليها أخطاء الإداريين، مما يساهم في خفض مستوى وعي وموضوعية جماهير الكرة، بدلاً من الارتقاء بهما.
kamalalhidai@hotmail.com
