ثورة ديسمبر: الذكرى تعود بسؤال الدم

نزار عثمان السمندل

حلّت الذكرى السابعة لثورة ديسمبر كجرح مفتوح، لا كصورة مؤطرة. عادت وهي مثقلة بالأسئلة، محمّلة بأسماء لم تعُد إلى بيوتها، وبمدن تُركت للرماد. جاءت لتقول إن الخوف يمكن أن يُهزم، وإن الشارع حين يستيقظ يُسقط العروش. صادَمَت لتكسر السكون، لا لتصافحه.

تحلّ الذكرى والسودان يُستنزف في حرب تأكل أبناءه بلا شبع. مدن تُمحى، ووجوه تُدفن في طرق النزوح، ووطن يتشظّى على شاشات الأخبار. هذه الحرب ليست انحرافاً عن مسار الثورة، هي الوجه العاري لأعدائها. رصاصها موجّه إلى الذاكرة قبل الأجساد، وإلى الحلم قبل الحجر.

ديسمبر كانت لحظة انكشاف تاريخي للوعي. شعب أعزل واجه دولة مسلّحة من الأخمص حتى الأسنان، وانتصر عليها بقوة المعنى وصرامة الهتاف. صدور مفتوحة، أغانٍ في مواجهة البنادق، وأسماء صعدت إلى السماء وهي تشير إلى الأرض. الشهداء لم يغادروا المشهد، يسكنون كل الزوايا، يتكئون على اللافتات، ويضغطون على ضمير هذا الزمن المرتبك.

حرية. سلام. عدالة. ثلاث كلمات خرجت كالرعد. ما كانت مجرد شعار، هي برنامج حياة، وخريطة طريق، ومعيار فاضح لكل سلطة تتغذى على الدم.
كل رصاصة أُطلقت بعد ديسمبر كانت إعلان خوف من هذه الكلمات، وكل مجزرة كانت اعترافاً بفشل القتلة في إسكاتها.

قوة ديسمبر وُلدت من اجتماع الشارع على نفسه. حين التقت الإرادات، انكسر نظام الحركة الإسلاموية وسقط وهم الخلود.
الوحدة كانت السلاح الذي لا يُكسر، واليوم تعود الحاجة إليها أكثر إلحاحاً، لا كتحالف موسمي، بل كوعي جمعي يدرك أن التشتت هدية مجانية لأعداء الثورة.

حرب الخامس عشر من أبريل لم تنفجر من فراغ. جاءت تتويجًا لمسار طويل من التآمر على الانتقال، محاولة أخيرة لإعادة السودان إلى قبضة السلاح والفساد. أرادوا شعبًا مرهقًا، وذاكرة مثقوبة، وثورة بلا أنفاس. غير أن الرهان انقلب. النار كشفت الوجوه، والدم فضح الكذبة، والناس تعلّموا أن الحياد في زمن الجرائم شكل من أشكال المشاركة.

الثورة تعثرت، نُكبت، أُحيطت بالمؤامرات، غير أنها لم تُهزم. ديسمبر لم تكن يومًا واحدًا، كانت ولادة وعي جديد، وجرأة على مساءلة السلطة، ورفضًا دائمًا للعودة إلى القفص. هذا الوعي باقٍ، يتوارثه الناس كما يتوارثون أسماء قراهم.

ذكرى ديسمبر ليست مناسبة للبكاء الصامت. موعد للمواجهة. لتجديد القسم مع الذين رحلوا وهم يحلمون بوطن مختلف. عهد بأن تبقى الشعلة مرفوعة، وبأن يتحول الغضب إلى فعل، والذاكرة إلى سلاح، والحلم إلى طريق لا عودة عنه.

ديسمبر مستمرة. ما دام في هذا البلد قلب يخفق، وشارع يتذكّر، وشهيد لم يُنصف بعد.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

أين صفوت؟ إن شاء الله المانع خير

نزار عثمان السمندل بحري تعرف أبناءها كما تعرف مجرى النيل. تحفظ أصواتهم في ذاكرة الماء، …