جئتنا لكي نجعل من أكاذيب وطناً

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
في كل مرحلة من تاريخنا السياسي، يتكرر المشهد ذاته: قادة يأتون إلينا حاملين شعاراتٍ ضخمة ووعوداً براقة، لكن ما أن تلامس أقدامهم أرض السلطة حتى تنكشف الحقيقة: لا مشاريع، لا خطط، ولا حتى رؤية واضحة، بل مجرد أكاذيب منمقة تُسوَّق على أنها “بشريات الغد المشرق”. السياسي الكاذب يظن أن الناس يمكن أن تعيش على الوعود كما تعيش على الخبز. فيُشعل حماس البسطاء بجرعاتٍ من الأمل الصناعي، لكنه في الحقيقة يبيع لهم الوهم، ويتركهم يموتون ببطء وهم يطاردون لقمة عيش لم تولد بعد. في السودان، عشنا عقوداً من الشعارات الرنانة: “نأكل مما نزرع”، “نلبس مما نصنع”، “المشروع الحضاري”، “السلام العادل الشامل”. لكن ماذا كانت النتيجة؟ المشاريع الزراعية العملاقة مثل الجزيرة انهارت، والمصانع توقفت، والتعليم تراجع، والصحة تحولت إلى عبء. السياسيون ظلوا يوزعون وعوداً بالرخاء والعدالة، بينما المواطن يزداد فقراً وضنكاً. الحروب التي اشتعلت مراراً لم تكن وليدة فراغ، بل كانت نتاجاً مباشراً لأكاذيب قادة لم يعترفوا بالأزمة الحقيقية، وفضّلوا شراء الوقت بالشعارات حتى دفع الوطن الثمن. أما في جنوب السودان، فقد جاء الاستقلال محمولاً على آمال ضخمة: وعود ببناء وطن جديد، حر من التهميش، مليء بالفرص. لكن سرعان ما تحولت هذه الوعود إلى سراب. صراعات السلطة غلبت على بناء الدولة، والفساد ابتلع عائدات النفط، والناس الذين حلموا بالتنمية وجدوا أنفسهم يواجهون النزوح والجوع وانعدام الخدمات. الأطفال الذين كان يُفترض أن يكونوا بذور المستقبل، أصبحوا مشردين بلا تعليم، بعضهم في مخيمات النزوح، وبعضهم في الشوارع. يُلصق بهم المجتمع لقب “أولاد الشوارع”، لكن الحقيقة أن الشارع لم يلدهم؛ الذي أنجبهم هو السياسي الكاذب بقراراته الفاشلة وأكاذيبه المتكررة. الكذب في السياسة ليس مجرد انحراف أخلاقي يمكن تجاوزه، بل هو جريمة وطنية. إنه يُحوّل الدولة إلى مسرحٍ كبير للخداع، يشارك فيه السياسي بالكلمة والناخب بالصمت، حتى تتحول الأوطان إلى خرائط فارغة بلا حياة. الكذب يسرق الثقة، والثقة إذا ضاعت ضاع معها كل شيء: لا استثمار، لا مصالحة، ولا مستقبل. الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالصدق مع الناس. أن نجرؤ على قول الحقيقة مهما كانت مرة: نعم نحن في أزمة، نعم الطريق طويل، لكننا سنمضي معاً. فالوطن الذي يُبنى على الصراحة والصبر أقوى من وطنٍ يُبنى على الخداع والزيف. الشعوب قد تُخدع مرة، وقد تتحمل الكذب مرات، لكن حين ينفجر الصبر، يسقط قناع السياسي الكاذب، وتبقى آثار أكاذيبه ندوباً على جسد الوطن. فلنتعلم من تجارب السودان وجنوب السودان: لا وطن بلا صدق، ولا تنمية بلا أمانة، ولا استقرار بلا وضوح. الأكاذيب قد تُسكر الجماهير لحظة، لكنها لا تطعم طفلاً جائعاً، ولا تبني مدرسة، ولا توقف حرباً.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …