جالية (الفضيلة ) التي نريد .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

عندما أتينا لجنوب افريقيا في منتصف التسعينيات ، وجدنا أمامنا من الأخوة السودانيين أفراد تُعدُ على أصابع اليد ، متفرقون في جنوب أفريقيا ، بأعمال مختلفة ، ولا يجمع ، ولا يفرق بيننا أيضا ، سياسة ، ولا قبيلة ، ولا لون ، وكان القاسم المشترك الأكبر بيننا هو سودانويتنا بكل ما فيها من جمال ، وخصال إجتماعية نبيلة .
بدأت مجموعة من أصحاب اليسار ، وأصحاب اليمين السوداني تزحف علينا ، وبدأ تكوين الجالية ، لامة شاملة ، تضم حفنة أسر سودانية محترمة ، تجتمع في البأساء والضراء ، وفجأة في العام ٢٠١١ بدأت شيطنة الجالية ، فبدأت الإتهامات والتصنيف ، كوز ، كلاب أمن، وعلماني شيوعي ، الأمراض التي تركناها خلفنا في السودان ونسيناها منذ أمد بعيد، فأنقسم الناس ، من ليس معنا فهو ضدنا ، بهذه الحدة ( البوشوية) ، فوجدنا أنفسنا نتضاءل وتحتّر نفوسنا بدون أدنى سبب غير فعل التكتل والتكريه والارهاب الفكري والعزل الاجتماعي الذي يجيده الطرفان ( يسار ، يمين )، قاتل الله ، يسار يمين في السودان.
هنا في جنوب أفريقيا ، سمى الناس أنفسهم بأمة قوس قزح، تتعايش في شكلها الكلي ، يجمع بينها حب جنوب افريقيا ومصالحهم المشتركة ، ويمارسون الديمقراطية في كل شيء والقانون له سطوته في كليّات الحياة ، والحرية الفكرية بألوانها السياسية والدينية ، والإثنية الثقافية ، متاحة للفرد وللجماعة ممارسة في الفعل والقول، الا أن تتعدى حدود حقوق الأخرين ، هنا ، المسلمون ( لا يوجد مسمى إسلاميين)، واليهود والمسيحيون والشيوعيون ، يتعايشون كديانات وكيانات يجمع بينها أيضاً قوس قزح ويجمع بينها ما يجمع من قواسم مشتركة ، والسماحة الدينية في أرقى معانيها ، شراكات في التجارة والزمالة في العمل ، ولكم دينكم ولي دين ، لا غبن ولا سيطرة بإسم الدين ، ولا كره ولا إكراه من العلمانيين ، ولا حرب بين علماني ، إسلامي ، بل بين كثير من المسلمين من هو شيوعي بحت في فكره ونضاله ولكنه يتعايش مع الآخر نسبة لأن قاعدة الحكم هنا ديمقراطية.
الشيوعية هنا في جنوب أفريقيا تولدت وسط الحزب الحاكم الحالي نتاج الحوجة للتقوي بالكتلة الشرقية على الغزاة من الهولند والإنجليز في فترة معينة ، وعلى الرغم من ان الحزب الآن يطبق الديمقراطية ، التي هي نقيض للشيوعية أحادية الرؤى والتطبيق ، وكذلك نقيض للاسلام السياسي والذي هو أيضاً أحادي الرؤى  والتطبيق ، لكن الحزب الشيوعي ما زال يعمل رافدا للحزب الحاكم من أجل الوطن ، ويتعايش مع المسلمين ، والشيوعية العلمانية هنا ليست ضد الدين والمتدينين كما هو عندنا ، ولكنها ضد السوالب في الحكم والقهر الاستعماري السابق.
الصراع عندنا بين الندين المتوازيين (علماني ، إسلامي ) ، في كل شيء في السودان ، يصنعان بيننا حربا ضروساً في كل شيء وهذه هي مصيبة السودان وأس معاناته ، إسلامية قشرية ، وعلمانية عمياء ، لا غرض لهما إلا الحرب والمطاحنة بينهما ، وطحن الوطن بين رحى الحرب بينهما ،  وقد إنتقلت كل هذه المصائب والمعاناة وللأسف لمجتمعنا الصغير في جنوب افريقيا والذي إلى الان لا يتعدى أيضاً حفنة من أسر سودانية وقليل من الطلاب ، وبعض العاملين في الصحة والمؤسسات التعليمية  والمنظمات الدولية . 
ماذا سنجني من علماني إسلامي في جنوب أفريقيا ، غير الشتات والفرقة ، ونحن على بعد آلاف الآميال ؟
السوداني من حيث هو ،وبغض النظر عمن هو ، وما هو لونه السياسي او قبيلته او جهته في السودان ، بجمال اخلاقه ورحمته وثقافته الإجتماعية الخاصة التي تحكمها الفطرة ، والأهلية والاندفاع في التعامل للخير والتكافل والتراحم ، هذه الصفات التي يتفرد بها ، السوداني في اي مكان في العالم ، حتى وان كان مجتمعا صغيرا مثل ما هو في جنوب افريقيا ، يستحق جالية واعية فيها من الخصال السودانية البحتة ، ما يحافظ على تلك الاخلاق والسماحة ،  وفيها من الفطنة والحنكة وحسن الإدارة ما فيها ،و فيها من المؤسسية ما يحمي بنيتها ويضمن استمراريتها وتماسكها ، وفيها من المباديء والقيم الأخلاقية ، ما يعزز ويحقق أهدافها ، وفيها من الشفافية ما يزيل الغبن وما يعلي الحق ويريح النفوس ، وفيها من المهام ما يحقق أهدافها ، وفيها من الحرية وعدم الإحتكار والتوجيه الحزبي او الفكري ، ما يشعر العضو فيها بقيمته ، وحقه في العطاء والعمل والشعور بممارسة حقه ، ومشاركته ، ومن المشاريع ما يعود خيرا على الفرد السوداني ، ومن البرامج الثقافية والإعلامية  ما يعلي سمعة الوطن ، وسمعة السوداني ، القيّمة والمتحرمة في أي بقعة في الأرض ،  وما يشبع العقول النيرة ويركز في نفوس شبابنا الوطنية وحب الوطن ، وفيها من الديمقراطية والبعد عن السياسة ما يحمي من حشر الجالية ،  يمين ، شمال ، ما يحقق وحدة الناس ، كل الناس لا يمين ولا يسار ، لا كوز ولا علماني ، لا أحقاد ولا مشاكل مفتعلة ، وفيها من الإحترام ما يستوعب العقول النيرة والشخصيات السودانية المرموقة هنا ، وما يستوعب الطالب والعامل والضيف والكل ، وفيها من الإجتماعيات ما يشعرنا أننا فعلا مجبورين على بعضنا ومتعاونيين في السراء والضراء ، نتوجع ونتألم ونتباكى في أتراحنا ونتراحم ونتزاحم ونفرح في مناسبات الخير ونهنأ بها ، بما يزيل عنا عناء الغربة ، وفقدان الوطن والأهل ، وما يحبب نساءنا لبعضهن فيتزاورن  لحفلات الحناء والبهجة والتغني بالسودان والسودان ، ونسيان الهموم وتقاسم عبء الغربة ، بدلا من زيارات التحريش والتغبين والنميمة والتجنُن بالتحيّز لهذه الجالية  أو تلك  ، وقد حُرمنا من جمال لقياهن في الخميلة و الحدائق الجميلة  ، بجمالهن ونقائهن وأطفالهن يتلاعبون بلا غل ولا غبينة ، وقد إفتقدنا الشباب في ميدان واحد وفي مهرجان واحد يتبارون ويتداخلون ويجتمعون والكبار بعد ان زرع المرجفون من ( يسار يمين )، بينهما التوهم ودقوا أسافين عدم الثقة ، يلقاك الواحد وعلى وجهه زمهرير التغابن وشرر الغبينة ، بلا ذنب منك ولا مشكلة شخصية ، اللهم الا إنك ليس معه !!!! وما نحتاجه ، هو التعامل بمثالية ، واحترام وذوق إجتماعي  ما يرجع صدورنا لبعضها  رحمة في اللقاء وألفة ومودة.
كيف لا والسوداني قد وهبه الله فطرة الشعور ببعضه خصوصا في الغربة ، يتوجع لوجعه ويتألم لألمه ، ويفرح لنجاحه ، دون أن يقصد او يدري ، بالفطرة ،  والله إنّا لنفرح كلما رأينا فيهم قامة في العلم أو النجاح او السمعة الطيبة كأنهم أبناءنا وأخواننا من الرحم ، نعم رحم ورحمة السوداني الذي ينسى كل شيء بمجرد ان يرى على اخيه علة أو يرى له ماسآة ، ولا يتذكر حينها ، هذه اليسار يمين  قاتلها الله .
المرجفون في المدينة من أصحاب الغرض والمرض من ( يسار ، يمين) هنا ، وهم قلة جداً بالمناسبة ، ولكن لنفوذهم النافذ سيقومون بترجمة رسالتي هذه على أنها تنازل وإنهزام عن إتجاه او جهة كنت أُمالئها او أقويها أو أستقوى بها على الآخر ، نعم إنه ضعف اذا كان ضعفي هذا يهب لي حرية الفكر والشفافية التي تجعلني أقول الحق حتى ولو على نفسي ، وإذا كان هذا الحق سيوجد لنا طاولة للحوار وللاخاء وللتماسك كسودانيين ، وسيصفه الجانب الآخر ، على إنه تقلب في المزاج والمواقف ، نعم إنه تقلب إذا كان هذا التقلب ، يقلب لنا صفحة جديدة ، وأذا كان ما قلته هو حرية رأي أؤمن به ، أطالب  بها ضد تيار الإرهاب الفكري والسكوت على الحق والفضيلة ، فأنا رجل حر سأدهشك يوما عن قول حق على نفسه سوف لن تتوقعه.
إن المرجفون الذين أسسوا بيننا للشقاق والجفوة المصطنعة هذه ، هم نفسهم القلة التي لا يغمض لها عين ، إلا أن يطفئوا أي قبس لتقارب او تلاقي ، وهم الذين يفرضون علينا ان نحارب هذا ونجافي  هذا ، إنه ليس معنا ، وهم الذين يصنفوننا على أننا كيزان وحملان وآل علمان ، وهم الذين يدبون بالليل دبيب النمل ويمشون بين الناس تغبينا وتكريها يضمن لهم شقاق الناس ، وتشوين الناس لجانبهم هنا او هناك ، وهم الذين يختصروا احلام الجالية واهدافها ، في هدف واحد ولغرض واحد ، لا يعرف هدفا قيما ولا برامج ولا مشاريع غير ، قهر وكسر الآخر ، هذا همهم الوحيد ونواة تفكيرهم الوحيدة ، كسر الجانب الاخر ، وهم يحشدون لذلك ملفات قديمة ومواقف يخطأ المرء فيها ويصيب ، وقواميس مظلمة سوداء فقط تفسر الآخرين وتقدمهم للاخر .
لكن إخوتي واخواتي والله ان غالبية الناس هنا وأكثر من تسع وتسعين بالمئة منهم وبغض النظر عن أفكارهم او اتجاهاتهم ، لتشعر في لقاءهم الرحمة والآخوة والإيجابية وتحس في عيونهم مرير الشكوى مما يحسون بأوجاع هذا الانقسام وتعرف على وجوههم سيما الحزن والتعطش للقاء ، ولكن تلك الزمرة من المرجفين ، تمارس على بعضهم الإرهاب الفكري ، وتغبش عليهم الرؤية ، ولتزيد الشقة وإنعدام الثقة .
إستقالة :
أنا أعتبر نفسي ومن هذه اللحظة في حلِّ عن أي جالية او تجمع سوداني في جنوب افريقيا ومهما كان نوعه ، وإتجاهه ، وفكره او غرضه ، إلا ان يكون ذلك الإتجاه هو اتجاه لخير الوطن ، بغض النظر عن الحكومة او الحاكم وبغض النظر عن إتجاهه إلى أن يغيض الله لنا تلك الجالية الفضيلة التي ننادي بها والتي نستحق جميعنا أن تكون لنا حماية من الضعف وظلة من لهيب الغربة ، فليفرح بذلك من يفرح وانا افرح معه وليحزن لذلك من يحزن ، وله الحزن وحده ، ومزيدا من ضيق النفس .

جمعة مباركة يا أحباب .
الرفيع بشير الشفيع
٢٠١٥/٢/٢٧
rafeibashir@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً