أمدرمان : سودانايل: في صباح عيد الأضحى، وبينما كانت أصوات التكبير تتعالى من المساجد، فارق عبدالسلام عوض الحياة على سرير في مستشفى لم تُجرَ له فيه أي فحوصات طبية. رحل في أواخر العقد الثالث من عمره بابتسامة صامتة، كأنه يودّع دنيا الظلم إلى رحمة ربٍ حرّم الظلم على نفسه.
عبدالسلام، البالغ من العمر 37 عامًا، كان أبًا لأربعة أبناء، ثلاث بنات وولد وحيد، يقاتل مستنفرًا ضمن صفوف القوات المسلحة في إحدى جبهات كردفان. وبينما كان والده يُعذّب حتى الموت داخل قسم شرطة الثورة الرابعة بأم درمان، كان الابن يؤدي واجبه الوطني في منطقة مشتعلة.
رجل بسيط تنتهي حياته داخل قسم شرطة
لم يكن عبدالسلام من أصحاب المال أو النفوذ. عرفه سكان حي الثورة، الحارة العاشرة، بـ”الرجل الدرويش”، يعيش في منزل متواضع مع أسرته، ويعتمد في دخله على تأجير جزء صغير منه
بدأت المأساة حين أجر جزءًا من منزله لسيدة، لكنها تأخرت في سداد مبلغ زهيد من الإيجار لا يتجاوز مئة ألف جنيه. وعندما طالبها بالدفع، وأخبرها بحاجته الماسة إلى المال، هدّدته علنًا أمام الجيران بقولها: “سأقيم لك حفلة “في تهديد صريح ومريب.
هجوم مسلح باسم ” المشتركة”
بعد أيام، حضر عدد من الرجال يرتدون زيًا نظاميًا، وادعوا انتماءهم لـ”القوات المشتركة”، برفقة شقيق السيدة. اقتادوا عبدالسلام عنوة من محطة شقلبان، ووجّهوا السلاح إلى رأسه، وانهالوا عليه ضربًا في الشارع. حاول أحد الضباط من أبناء الحي التدخل، إلا أنه تعرض للتهديد هو الآخر. ولم يتوقف الاعتداء إلا بعد وصول عربة تابعة للجيش، حيث أكد الجنود أن لا يحق لأي جهة أخذ مواطن بالقوة خارج الأطر القانونية، وطالبوا بتقديم شكوى رسمية فقط.
بلاغ كيدي
ورغم أن الخلاف انتهى في قسم شرطة التقانة، وعاد عبدالسلام إلى منزله، إلا أن الكابوس لم ينتهِ. ففي اليوم التالي، تفاجأت أسرته بفتح بلاغ يتهمه باغتصاب طفلة في السابعة من عمرها، زُعم أنها ابنة المستأجرة، بناءً على تقرير من طبيب عمومي.

القتيل عبدالسلام
ورغم ضعف الأدلة وغياب المؤشرات الجدية، تم اعتقال عبدالسلام واقتياده إلى قسم شرطة الثورة الرابعة، حيث تعرض لتعذيب جسدي ونفسي قاسٍ.
المنزل مقابل إسقاط التهمة
في حديث لـ”سودانايل”، قال خالد عوض، شقيق الضحية:”تعرض شقيقي لتعذيب واضح، ظهرت آثار حروق على ظهره، وتيبست يده من شدة الألم. في كل مرة كنا نطالب بعرضه على الطبيب، كانت الشرطة تعيده إلى الحبس دون فحص. كنا نوفر له الطعام والدواء، لكن لم يُسمح لنا بإدخال أي شيء إليه.”
وأضاف خالد: “تم حبسه في زنزانة واحدة مع شقيق المستأجرة، التي ساومت زوجته علنًا على التنازل عن المنزل مقابل إسقاط التهمة الملفقة باغتصاب الطفلة.”
إهمال متعمد
رغم صدور أمر من النيابة العامة بنقل عبدالسلام إلى المستشفى، امتنعت الشرطة عن تنفيذ القرار، وأعادته إلى القسم دون أي فحوصات أو علاج.
قبل العيد بيوم، زارته أسرته لتجده ملقى على أرضية الزنزانة، بلا حراك، والنمل ينهش جسده، وسط تجاهل تام من عناصر الشرطة. وبعد جهود مضنية، نُقل إلى مستشفى أم درمان، حيث توفي صباح أول أيام العيد، دون تلقي أي علاج حقيقي، ودون أن يرى ابنه مجددًا.
طمس الأدلة
سُجّلت الوفاة على أنها نتيجة “هبوط حاد في الدورة الدموية”، رغم وضوح آثار التعذيب. كما تم التلاعب في التقارير، ومنع الأسرة من الاطلاع على المستندات الطبية، في محاولة مكشوفة لدفن الحقيقة. ومن اللافت أن السيدة التي تقدمت بالبلاغ اختفت من المنزل بعد أيام من توقيف عبدالسلام.
وأكد خالد أنهم لجأوا إلى النيابة والأدلة الجنائية، مشيرًا إلى أن أطباء أكدوا أن تعذيب عبدالسلام تم بطريقة ‘احترافية’، شملت الرأس ومناطق متعددة من جسده، مع وجود آثار حروق بالنار.”
تحقيق مستقل
يطالب أقارب عبدالسلام وسكان الحي بفتح تحقيق عاجل ومستقل، ومحاسبة كل من تورط في تعذيبه أو تواطأ في تلفيق التهمة، بمن فيهم عناصر “القوات المشتركة”، أفراد الشرطة، والطبيب الذي حرر التقرير الأولي دون أساس قانوني.
“لن نصمت”
يؤكد جيران عبدالسلام أنه كان معروفًا بينهم بصفاء سريرته واستقامته، ويصفون ما جرى له بـ”المؤامرة الدنيئة”، التي اشتركت فيها جهات نظامية وطبية بغرض انتزاع ملكية المنزل عبر تهمة مدبرة.
وبحسب الأسرة، حاولت المشرحة تسجيل سبب الوفاة على أنه “هبوط حاد”، دون الإشارة إلى التعذيب الظاهر على جسده.

من جانبها أدانت لجان مقاومة الثورة – الحارة الثامنة، مقتل عبدالسلام عوض داخل قسم شرطة الثورة الرابعة بأم درمان، ووصفت ما جرى بأنه “جريمة بشعة ارتُكبت بدم بارد وبتواطؤ واضح من القوات المشتركة والشرطة”.
وقالت اللجان في بيان صادر امس الأحد ، إن عبدالسلام تعرض لتعذيب ممنهج انتهى بوفاته في ليلة عيد الأضحى، بعد بلاغ “كيدي ومفبرك” قدمته مستأجرة تقطن في منزله، بمساندة من عناصر ترتدي زي القوات المشتركة، وبدعم من بعض منسوبي قسم الشرطة.
وأضاف البيان: “الشهيد عبدالسلام لم يكن يملك سوى كرامته وإنسانيته، فتم التنكيل به داخل قسم الشرطة دون أي سند قانوني، في انتهاك صارخ للحقوق والكرامة الإنسانية”.
وأكدت البيان أن قضية عبدالسلام تمثل اختبارًا حقيقيًا للعدالة في البلاد، مشيرًا إلى أن تحويل مهام الشرطة من حفظ الأمن إلى قمع المواطنين العزّل، يمثل تهديدًا خطيرًا لمنظومة الحقوق وسيادة القانون.
وشددت لجان المقاومة على أن العدالة لعبدالسلام “ليست مطلبًا يُرجى، بل واجب لا يسقط بالتقادم”، مؤكدة وقوفها الكامل مع أسرة الفقيد وسكان الحارة العاشرة، ومواصلة الضغط الشعبي والحقوقي حتى تتم محاسبة جميع المتورطين في الجريمة، سواء كانوا من القوات المشتركة أو الشرطة أو الجهات التي لفّقت التهمة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم