زهير عثمان
ليست أخطر الحروب تلك التي تدور حول المدن والثكنات العسكرية، بل تلك التي تمتد إلى المؤسسات التي تمنح الدولة معناها واستمرارها فالجيوش تستطيع السيطرة على أرض، لكن السيطرة على العملة تعني السعي للسيطرة على المستقبل نفسه
من هذه الزاوية، لا يبدو تعيين حسين يحيى جنقول محافظاً لبنك مركزي موازٍ في نيالا مجرد قرار إداري اتخذته حكومة “تأسيس”، بل خطوة تكشف تحولاً أعمق في مسار الحرب السودانية
فالصراع لم يعد يدور فقط حول من يسيطر على الخرطوم أو الفاشر أو نيالا، بل حول من يملك حق تمثيل الدولة وإدارة اقتصادها وإصدار نقدها
في الدول المستقرة، تُعد العملة آخر خطوط السيادة وأشدها حساسية, أما في الدول التي تتشظى تحت ضغط الحرب، فإن أولى علامات الانقسام الحقيقي تظهر عندما تتعدد مراكز القرار المالي وتتنافس السلطات على الشرعية النقدية
عندها لا يصبح السؤال – من يحكم؟ بل أي دولة ما تزال قائمة أصلاً؟
إن خطورة تعيين جنقول لا تكمن في شخصه أو خبرته المصرفية، وإنما في الرمزية التي يمثلها. فالرجل الذي كان يوماً جزءاً من المؤسسة النقدية المركزية يجد نفسه اليوم على رأس مؤسسة موازية في بلد لم يحسم بعد سؤال الشرعية السياسية
وهنا تتجاوز القضية حدود الاقتصاد لتصبح سؤالاً عن مصير الدولة السودانية نفسها
فإذا كان الجيش والدعم السريع قد قسّما الجغرافيا بالقوة، فإن الانقسام النقدي يهدد بتقسيم المجال الاقتصادي والنفسي للمجتمع
فالمواطن قد يتحمل تعدد السلطات على الأرض، لكنه يفقد ثقته بالدولة عندما يبدأ الشك في قيمة العملة التي يحملها في جيبه
لهذا لا ينبغي النظر إلى الخطوة باعتبارها مجرد محاولة لإدارة النشاط الاقتصادي في مناطق الحرب، بل باعتبارها مؤشراً على انتقال السودان إلى مرحلة أكثر تعقيداً مرحلة التنافس على مؤسسات الدولة ذاتها، لا على مواقعها الجغرافية فقط
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية , فالدول يمكن أن تتعافى من الدمار المادي، ويمكن إعادة بناء الجسور والمطارات والمقار الحكومية و لكن إعادة بناء الثقة في المؤسسات، وخاصة المؤسسة النقدية، تحتاج إلى سنوات طويلة وإلى سلطة سياسية موحدة
ولهذا فإن الخطر الأكبر ليس في إنشاء مؤسسة مالية موازية، بل في ترسيخ فكرة أن لكل منطقة حقها في بناء سيادتها النقدية الخاصة
السودان اليوم لا يواجه فقط حرباً على السلطة، بل يواجه حرباً على مفهوم الدولة ذاته. وما يجري في المجال النقدي قد يكون أحد أكثر تجليات هذه الحرب خطورة وأبعدها أثراً على المستقبل.
zuhair.osman@aol.com
