جنوب السودان: الزراعة كطريق للسيادة والشفاء الوطني

بقلم: إدوارد كورنيليو

❖ الأرض كذاكرة، والبذرة كعهد

في جنوب السودان، لا تُزرع الأرض فقط لتُثمر، بل لتُستعاد. الأرض هنا ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي سجل حي للهوية، ومرآة للكرامة، ووعاء للذاكرة الجماعية. حين نتحدث عن الزراعة، فإننا لا نناقش قطاعاً اقتصادياً فحسب، بل نفتح بوابة نحو السيادة الغذائية، العدالة الاجتماعية، والشفاء من جراح الحرب. الزراعة في جنوب السودان هي طقس وطني، ومشروع أخلاقي، ومفتاح للتحول التاريخي.

❖ الجغرافيا والموارد الطبيعية: وفرة لا تُنكر

جنوب السودان يمتلك واحدة من أغنى البيئات الزراعية في شرق أفريقيا:

  • المساحة الزراعية: أكثر من 80% من الأراضي صالحة للزراعة، لكن أقل من 5% مستغلة فعلياً.
  • المياه: نهر النيل الأبيض، وروافده، والفيضانات الموسمية توفر إمكانات هائلة للري.
  • المناخ: موسمان رئيسيان (ممطر وجاف) يسمحان بزراعة متنوعة على مدار العام.
  • التنوع البيئي: من السافانا إلى المستنقعات، ومن الأراضي المرتفعة إلى السهول، مما يتيح زراعة الحبوب، البقوليات، الفواكه، والخضروات.

هذه المقومات تجعل جنوب السودان مؤهلاً ليكون سلة غذاء إقليمية، بل عالمية، إذا ما تم استثمارها بشكل استراتيجي.

❖ التاريخ الزراعي: من الاكتفاء إلى التهميش

قبل الحرب الأهلية، كانت المجتمعات الريفية تعتمد على الزراعة التقليدية، خاصة الزراعة المختلطة والرعي. لكن عقوداً من النزاع، التهجير، والإهمال السياسي أدت إلى:

  • تدمير البنية التحتية الزراعية.
  • فقدان المعارف التقليدية بسبب النزوح.
  • الاعتماد على المساعدات الغذائية الخارجية.
  • تهميش الزراعة لصالح النفط في السياسات الاقتصادية.

ومع استقلال جنوب السودان عام 2011، ظهرت فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع الأرض، ليس فقط كمصدر رزق، بل كوسيلة للشفاء الوطني.

❖ الاقتصاد الزراعي: إمكانات غير مستغلة

رغم أن أكثر من 70% من السكان يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش، إلا أن مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 15%. الأسباب تشمل:

  • ضعف التمويل الحكومي للقطاع الزراعي.
  • غياب شبكات النقل والتخزين.
  • نقص التكنولوجيا الزراعية والبذور المحسّنة.
  • غياب السياسات الزراعية المستدامة.

ومع ذلك، فإن الزراعة تظل القطاع الأكثر قدرة على خلق فرص عمل، خاصة للشباب والنساء، وتقليل الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي.

❖ الزراعة التقليدية مقابل الزراعة الحديثة

في جنوب السودان، الزراعة التقليدية لا تزال سائدة، وتتميز بـ:

  • استخدام أدوات بسيطة.
  • الاعتماد على الأمطار.
  • زراعة المحاصيل الأساسية مثل الذرة الرفيعة، الذرة، الفول السوداني، والدخن.

أما الزراعة الحديثة، فهي محدودة جداً، وتواجه تحديات مثل:

  • ضعف الوصول إلى التمويل.
  • نقص التدريب الفني.
  • غياب التعاونيات الزراعية الفعالة.

لكن الجمع بين المعارف التقليدية والتكنولوجيا الحديثة يمكن أن يشكّل نموذجاً زراعياً فريداً، يحترم البيئة ويحقق الإنتاجية.

❖ التحديات البنيوية

⬩ أ. البنية التحتية

  • الطرق الريفية غير معبّدة، مما يصعّب نقل المنتجات إلى الأسواق.
  • غياب مرافق التخزين يؤدي إلى تلف المحاصيل.
  • ضعف شبكات الري يجعل الزراعة عرضة لتقلبات المناخ.

⬩ ب. النزاعات وعدم الاستقرار

  • النزاعات المحلية تعيق الوصول إلى الأراضي الزراعية.
  • النزوح الداخلي يخلق ضغطاً على الموارد.
  • انعدام الأمن يمنع الاستثمار الزراعي.

⬩ ج. السياسات الزراعية

  • غياب استراتيجية وطنية واضحة للزراعة.
  • ضعف التنسيق بين الوزارات والمؤسسات الزراعية.
  • نقص البيانات الزراعية الدقيقة.

❖ الزراعة كأداة للسلام والعدالة

الزراعة ليست فقط وسيلة للعيش، بل يمكن أن تكون أداة للمصالحة الوطنية:

  • إعادة توطين النازحين عبر مشاريع زراعية جماعية.
  • تمكين المرأة من خلال دعم الزراعة النسائية.
  • بناء التعاون بين المجتمعات عبر التعاونيات الزراعية.
  • تحقيق العدالة البيئية عبر توزيع الأراضي بشكل عادل.

الزراعة يمكن أن تكون طقساً جماعياً للشفاء، حيث تُزرع الأرض وتُروى الذاكرة، وتُبنى الثقة من جديد.

❖ الآفاق المستقبلية: نحو سيادة غذائية مستدامة

⬩ أ. إصلاح السياسات الزراعية

  • وضع استراتيجية وطنية شاملة للزراعة.
  • تخصيص ميزانية كافية للقطاع الزراعي.
  • دعم البحث الزراعي والتعليم الفني.

⬩ ب. الاستثمار في البنية التحتية

  • بناء طرق ريفية ومرافق تخزين.
  • تطوير شبكات الري.
  • دعم الطاقة الشمسية للزراعة.

⬩ ج. تمكين المجتمعات المحلية

  • دعم التعاونيات الزراعية.
  • توفير التمويل الصغير للمزارعين.
  • تدريب الشباب والنساء على الزراعة الحديثة.

⬩ د. الشراكات الإقليمية والدولية

  • التعاون مع دول الجوار لتبادل الخبرات.
  • جذب الاستثمار الأجنبي المسؤول.
  • الاستفادة من برامج الأمم المتحدة والمنظمات الزراعية.

❖ الزراعة كطقس رمزي: من الحقل إلى القصيدة

يمكن للزراعة أن تتحول إلى طقس شعري، حيث:

  • تُزرع الأرض كما تُكتب القصيدة: بتأمل، وترتيب، وطقس.
  • تُروى البذور كما تُروى الذاكرة: بماء التجربة، ودمع الشهداء.
  • يُحصد المحصول كما يُحصد المعنى: في لحظة جماعية من الفرح والاعتراف.

الزراعة يمكن أن تكون قصيدة وطنية، تُكتب بالعرق، وتُقرأ بالخبز، وتُغنّى بالأمل.

❖ الزراعة كعهد جديد

جنوب السودان لا يحتاج فقط إلى زراعة الأرض، بل إلى زراعة المستقبل. الزراعة يمكن أن تكون الجسر بين الماضي المجروح والحاضر المتعثر والمستقبل الممكن. إنها ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل مشروع أخلاقي، وطقس جماعي، وعهد جديد.

في كل بذرة تُزرع، هناك وعد بالشفاء. وفي كل حقل يُحرث، هناك قصيدة تُكتب. وفي كل موسم يُثمر، هناك وطن يُعاد بناؤه.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

“الحزن النبيل لا يرحل: مصطفى سيد أحمد بعد ثلاثين عامًا”

بقلم: إدوارد كورنيليو في السابع عشر من يناير من هذا العام، تمر ثلاثون سنة على …