lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
منذ اللحظة التي رُفع فيها علم جنوب السودان إيذاناً بالاستقلال، اعتقد كثيرون أن صفحة جديدة من التاريخ قد فُتحت، وأن عقود التهميش والحروب قد انتهت، ليبدأ زمن الدولة الوطنية الجامعة. غير أن السنوات التي تلت الاستقلال كشفت أن التحرر من الاستعمار أو من الهيمنة الخارجية لا يعني بالضرورة التحرر من أزمات الداخل. فقد دخلت الدولة الوليدة في دوامة صراعات سياسية وأمنية واقتصادية جعلت مشروع الدولة نفسه يبدو وكأنه مؤجل إلى أجل غير معلوم. الحرب في جنوب السودان لم تكن مجرد حدث طارئ، بل تحولت إلى نمط حياة، وإلى أداة لإدارة الخلافات السياسية، بل وأحياناً لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة. ومع كل جولة صراع، كانت بنية الدولة تزداد هشاشة، وتزداد المسافة بين السلطة والمواطن اتساعاً. فبدلاً من أن تكون الدولة مظلة جامعة، تحولت في نظر كثيرين إلى طرف في الصراع، أو إلى كيان عاجز عن فرض القانون وحماية الأرواح والممتلكات. سياسياً، عانى جنوب السودان منذ وقت مبكر من غياب مشروع وطني جامع يتجاوز الولاءات الضيقة. فقد طغت الحسابات الشخصية والفصائلية على المصلحة العامة، وأصبح الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي للحياة السياسية. الاتفاقيات السياسية، رغم كثرتها، لم تُبنَ في الغالب على رؤية واضحة لبناء الدولة، بل على توازنات قوى مؤقتة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار حقيقي. وهكذا، تحولت السياسة من أداة لإدارة الاختلاف إلى ساحة مفتوحة للصراع، ومن وسيلة لبناء المؤسسات إلى سبب في إضعافها. هذا الواقع السياسي الهش انعكس مباشرة على أداء مؤسسات الدولة. فضعف سيادة القانون، وتسييس الأجهزة، وغياب الفصل الحقيقي بين السلطات، كلها عوامل جعلت الدولة تبدو غير قادرة على القيام بوظائفها الأساسية. المواطن العادي لا يرى في كثير من الأحيان مؤسسات تحميه أو تخدمه، بل يرى هياكل شكلية لا تصل إليه إلا عبر الضرائب أو القيود. ومع غياب المساءلة، أصبحت الأخطاء تتكرر، وأصبحت الثقة في الدولة تتآكل عاماً بعد عام. اقتصادياً، يمكن القول إن جنوب السودان يعيش واحدة من أعمق أزماته منذ الاستقلال. فرغم امتلاك البلاد لموارد طبيعية كبيرة، وعلى رأسها النفط، لم ينعكس ذلك على حياة الناس. الاقتصاد ظل أسير الاعتماد على مورد واحد، دون تنويع حقيقي أو استثمار في الزراعة والصناعة والخدمات. ومع كل اضطراب سياسي أو أمني، يتلقى الاقتصاد ضربة جديدة، فتنهار العملة، وترتفع الأسعار، وتتراجع القدرة الشرائية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة. الفقر لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح واقعاً يومياً لغالبية السكان. الرواتب، إن وُجدت، لا تكفي لتغطية أبسط الاحتياجات، والبطالة تضرب فئة الشباب بشكل خاص، ما يجعلهم عرضة للإحباط أو الانخراط في دوائر العنف. وفي ظل غياب سياسات اقتصادية واضحة، يصبح المواطن هو من يدفع ثمن الفشل، بينما تبقى النخب السياسية بعيدة نسبياً عن آثار الأزمة. الأزمة الاقتصادية ليست منفصلة عن الأزمة السياسية، بل هي نتاج مباشر لها. فالفساد، وسوء الإدارة، وغياب الشفافية في إدارة الموارد، كلها عوامل عمّقت الفجوة بين الدولة والمجتمع. كما أن الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية خلق اقتصاداً هشاً، مرتبطاً بإرادة المانحين أكثر من ارتباطه بخطط وطنية طويلة المدى. ومع كل حديث عن تراجع الدعم الدولي، يتزايد القلق من مستقبل بلد لم ينجح بعد في بناء اقتصاد يعتمد على ذاته. أما الوضع الأمني، فهو الوجه الأكثر قسوة لهذه الأزمات المتشابكة. صحيح أن البلاد شهدت فترات من الهدوء النسبي، لكن هذا الهدوء ظل هشاً ومؤقتاً. النزاعات المحلية، والصراعات القبلية، وانتشار السلاح، كلها مؤشرات على غياب الأمن المستدام. في كثير من المناطق، لا يشعر المواطن بالأمان إلا ضمن إطار قبلي أو مجتمعي، ما يعكس ضعف حضور الدولة ويُعيد إنتاج الانقسامات. الأخطر من ذلك أن العنف أصبح، في نظر البعض، وسيلة مشروعة للحصول على الحقوق أو فرض المطالب. ومع غياب العدالة الانتقالية والمحاسبة، بقيت الجرائم بلا مساءلة، وبقيت الذاكرة الجماعية مثقلة بالجراح. هذا الواقع لا يهدد الحاضر فقط، بل يرهن المستقبل أيضاً، لأن المجتمعات التي لا تواجه ماضيها بصدق، غالباً ما تعيد إنتاجه بأشكال أكثر قسوة. وسط كل ذلك، يقف المواطن الجنوبي منهكاً. الحرب سلبته الأمن، والأزمة الاقتصادية سلبته الكرامة، والسياسة سلبته الأمل. أجيال كاملة نشأت وهي لا تعرف من الدولة سوى اسمها، ولا ترى من الاستقلال سوى ذكراه. التعليم تضرر، والصحة تراجعت، والخدمات الأساسية أصبحت حلماً بعيد المنال في كثير من المناطق. ومع ذلك، لا يزال المواطن يتشبث بفكرة الوطن، وبإمكانية الخروج من هذا النفق الطويل. ورغم قتامة الصورة، لا يمكن إنكار أن جنوب السودان يمتلك فرصة للخروج من أزماته إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية. فبناء الدولة لا يبدأ بتوقيع الاتفاقيات فقط، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبالانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الخدمة، ومن عقلية الحرب إلى ثقافة السلام. الإصلاح السياسي، ومحاربة الفساد، وبناء مؤسسات قوية ومستقلة، ليست شعارات، بل شروط أساسية لبقاء الدولة. كما أن الاستثمار في الإنسان، عبر التعليم والصحة وبناء القدرات، يجب أن يكون أولوية قصوى. فلا يمكن لدولة أن تستقر إذا ظل شبابها بلا أفق، وبلا أمل، وبلا دور في صياغة المستقبل. الاقتصاد أيضاً بحاجة إلى رؤية وطنية شاملة، تُحوّل الموارد إلى تنمية، وتُخرج البلاد من دائرة الاعتماد على الخارج. إن جنوب السودان لا يحتاج إلى مزيد من الحروب، ولا إلى مزيد من الوعود، بل إلى شجاعة سياسية تعترف بالأخطاء، وإلى مصالحة حقيقية مع الذات قبل المصالحة مع الآخر. السلام ليس مجرد توقف إطلاق النار، بل هو مشروع وطني متكامل، يعيد الاعتبار للإنسان، ويضع الدولة على سكة الاستقرار. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل جنوب السودان يعيش بين حلم الدولة وواقع الانقسام، وبين أمل السلام وذاكرة الحرب، منتظراً لحظة صدق تُنهي زمن التأجيل، وتفتح باب المستقبل أمام شعب أنهكته الصراعات لكنه لم يفقد إيمانه بالحياة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم