جنوب السودان: حين تتحول السياسة إلى رهينة السلاح!

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

جنوب السودان، ذاك الوطن الوليد الذي حلم أبناؤه بدولة تفتح أبواب المستقبل، يجد نفسه اليوم أسيرًا في قبضة السلاح. السياسة، التي وُجدت لتكون جسرًا للحوار، تحولت إلى رهينة في أيدي البنادق، وصار الرصاص أسرع في الحسم من أي مفاوضات أو صناديق اقتراع. الوطن بدا وكأنه إناء جميل، لكن شروخه تتسع كل يوم، لأن السلاح يفرض منطقه على حساب الكلمة والعقل، ويعيد رسم حدود المجتمع بالقوة بدلًا من القانون. ولدت دولتنا من رحم حرب طويلة ضد القمع والتمييز، لكننا لم نفلح بعد في التحرر من ميراث هذه الحرب. الزعامات السياسية، التي كان يُنتظر منها أن تُنير الطريق بالبرامج والرؤى، باتت تُقاس قوتها بعدد المقاتلين لا بعدد الأفكار. الأحزاب التي كان من المفترض أن تكون منصات للتنوير، تحولت إلى معسكرات مصغرة، والبرلمان الذي يجب أن يكون بيتًا للنقاش تحول إلى ظل باهت أمام ثقل السلاح. وهكذا ضاع المعنى الحقيقي للسياسة، وتحول الوطن كله إلى خريطة محروسة بالرصاص، تعكس واقعًا مأساويًا، حيث القوة تعلو على العقل، والتهديد يعوّض الحوار. النتيجة واضحة على الأرض: اقتصاد متعثر، مدارس بلا مقاعد كافية، مستشفيات بلا دواء، وشباب يهاجرون بأحلامهم بعيدًا. المواطن البسيط، الذي لم يحمل سوى أدوات الزراعة أو دفاتر المدرسة، صار الضحية الأولى، يشاهد بلده يُدار بالرصاص بدلًا من الحروف، وبالقوة بدلًا من القانون. الأراضي الزراعية تتحول إلى مناطق نزاع، الأسواق تصبح ساحات تهديد، والمواطن يخاف أن ينشغل بالعيش اليومي، لأن البقاء في وطنه صار تحديًا يوميًا. تحليل نفسي للمجتمع يكشف آثار السلاح على الأجيال: الأطفال يتربون على مشاهد العنف، ويصبح لديهم فهم مشوه للسلطة: القوة هي المرجعية، والتهديد هو القاعدة. الشباب، الذين يجب أن يكونوا قوة إنتاج وبناء، يتحولون إلى أدوات في نزاعات لا تعنيهم، وفقدان الثقة بين المواطنين يصبح ثقافة اجتماعية سائدة، تعيق أي مشروع وطني. لكن التاريخ ليس قاسيًا إلى الأبد. هناك دروس أفريقية تُذكرنا أن الشعوب تستطيع أن تتحرر من أسر السلاح. جنوب أفريقيا أنهت نظام الفصل العنصري بالمصالحة والحوار، لا بالاقتتال، فاستعادت الدولة الوحدة الوطنية رغم سنوات طويلة من القهر. رواندا، التي غُسلت شوارعها بالدماء يومًا، استطاعت أن تنهض من رمادها بوحدة وطنية ومشروع مشترك، من خلال العدالة الانتقالية والمصالحة الاجتماعية. هذه التجارب تؤكد أن السياسة ليست قوة البنادق، بل قوة الأفكار، والقرار الحر، والمشاركة الجماعية. إنها تذكير بأن الإرادة الوطنية القوية قادرة على تحويل أضعف دولة إلى مثال يحتذى، إذا ما تم وضع الإنسان ومصالحه فوق أي منطق عنفي. السياسة يجب أن تستعيد مكانها الطبيعي، حرة من قبضة البندقية. الشرعية الحقيقية لا تُكتسب بطلقة، بل بصوت الناخب، ولا تُبنى بالثكنات، بل بالمؤسسات. نحن بحاجة إلى مصالحة صادقة، إلى إعادة الاعتبار للبرلمان، إلى أحزاب مدنية قوية، وإلى جيل جديد يرفض أن يرى وطنه أسيرًا للسلاح. المجتمع المدني يلعب دورًا أساسيًا في إعادة السياسة إلى مسارها الطبيعي، من خلال حملات التوعية، ومبادرات المصالحة، وبناء جسور الثقة بين الأطراف المختلفة. الإعلام المستقل والمنصات التفاعلية يمكن أن تساعد في توعية المواطن بأهمية الحلول السلمية، وتفضيل الحوار على العنف، وتذكير النخب بمسؤولياتها تجاه الشعب. تحرير السياسة من أسر الرصاص لا يعني فقط وضع حد للقتال، بل إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وإعادة الثقة بين المواطنين أنفسهم. فالوطن الذي يظل رهينة للسلاح لا يعرف فجرًا جديدًا. أما إذا اخترنا العقل على الرصاصة، والحوار على البندقية، والإنسان على المصلحة، فإن جنوب السودان سيكتب يومًا قصته الكبرى: قصة وطن كطائر جريح، استعاد جناحيه، وطار عاليًا فوق صمت البنادق ليبشر أطفاله بفجر السلام. لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. استقرار المؤسسات الاقتصادية يحد من دور السلاح في الحياة اليومية. الاستثمار في البنية التحتية، الزراعة، الصحة والتعليم، هو في حد ذاته مشروع سياسي يعيد القوة إلى المجتمع المدني، ويقلل من هيمنة المليشيات على موارد الشعب. إذا شعر المواطن أن مستقبله مضمون، فإن الاستجابة للتهديد المسلح تقل، ويصبح السلاح أداة هشّة مقارنة بمؤسسات قوية وعادلة. الشباب هم الأمل والمحرك للتغيير. إدماجهم في العملية السياسية والتعليمية والاقتصادية سيخلق جيلًا لا يرى السياسة رهينة للسلاح، بل مجالًا لبناء الوطن. برامج التثقيف المدني، وأنشطة الحوار المجتمعي، ومبادرات السلام المحلية، يمكن أن تحولهم من أدوات نزاع إلى سفراء سلام، ومن مستقبل غامض إلى أمل مشرق. إن تحرير السياسة من أسر الرصاص ليس حلمًا بعيدًا، بل ضرورة بقاء. كل يوم يظل فيه الرصاص سيد الموقف، يُعاد إنتاج الفوضى ويُدفع الوطن إلى مأزق أعمق. بينما الاستثمار في الحوار، المؤسسات، والقوانين، هو الطريق نحو دولة قوية ومستقرة. السياسة التي تتحرر من الرصاص ستعيد الجنوب لنفسه، وستخلق مجتمعًا متماسكًا، قادرًا على التعامل مع تحديات التنمية، العدالة، والأمن بشكل واعٍ ومدروس. الوطن الذي يختار العقل على البندقية، والإنسان على المصلحة، هو الوطن الذي يكتب تاريخه بيديه، لا بدماء الآخرين. جنوب السودان يمكنه أن يصبح نموذجًا للقوة المدنية، للأمل الذي لا يموت، وللوطن الذي يستعيد جناحيه بعد سنوات من الأسر، ليطير عاليًا فوق صمت البنادق، إلى فضاءات الحرية والسلام المستدام.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …