بقلم: إدوارد كورنيليو
في قلب إفريقيا، يقف جنوب السودان محاطًا بست دول، يتنفس عبر حدوده ويختنق داخلها. هذا الانغلاق الجغرافي ليس مجرد تفصيل على أطلس العالم؛ بل هو لعنة سياسية واقتصادية وأمنية تعيد إنتاج الهشاشة وتعمّق العزلة.
منذ استقلاله عام 2011، بدا جنوب السودان كدولة وُلدت في غرفة بلا نوافذ. كل صادراته—وخاصة النفط—تمر عبر السودان. وكل وارداته تأتي عبر كينيا أو أوغندا. وكل أزمة تتفاقم حين تُغلق الحدود، أو تتوتر العلاقات، أو تنهار الطرق. لا ميناء. لا منفذ. لا قدرة على التنفس الذاتي.
لكن هل الجغرافيا قدر؟ أم أن سوء الإدارة حوّل التضاريس إلى فخ؟
۞ الجغرافيا ليست العدو الوحيد
أن تكون دولة حبيسة لا يعني أن تكون مشلولة. إثيوبيا، مثلًا، فقدت ساحلها بعد انفصال إريتريا عام 1993، لكنها لم تستسلم. وقّعت اتفاقيات مع جيبوتي والسودان وحتى أرض الصومال، واستثمرت في موانئ بديلة مثل بربرة ولامو—فنوّعت منافذها وقلّلت اعتمادها.
رواندا، رغم صغر حجمها وكونها حبيسة، بنت اقتصادًا متنوعًا، واستثمرت في التكنولوجيا والتعليم والبنية التحتية. أصبحت نموذجًا للابتكار والخدمات الرقمية.
جنوب السودان، للأسف، اختار العكس. بقي رهينة للنفط—رهينة لخطوط الأنابيب التي تمر عبر عدو سابق تحوّل إلى مبتز.
طرق البلاد الداخلية تنهار. النقل النهري مُهمل. الزراعة مهمّشة. الصناعة غائبة. تقرير للبنك الدولي يشير إلى أن البلاد تحتاج إلى إعادة تأهيل 2500 كيلومتر فقط من الطرق للوصول إلى الحد الأدنى من الاتصال الوطني. وفي الوقت نفسه، يظل نهر النيل الأبيض شريانًا غير مستغل—مُهمَل رغم إمكانياته الاقتصادية الحيوية.
۞ العزلة السياسية تسبق العزلة الجغرافية
حين تفشل الدولة في بناء علاقات إقليمية مستقرة، تصبح كل حدودها مصدر ضعف. لم ينجح جنوب السودان بعد في ترسيخ مكانته داخل تكتلات مثل مجموعة شرق إفريقيا. ولم يُفعّل أدوات الدبلوماسية الاقتصادية التي تمكّنه من توقيع اتفاقيات عبور طويلة الأمد أو بناء مناطق تجارة حرة عبر الحدود.
حتى خطابه السياسي يعاني من عزلة داخلية. كما كتب الناشط صموئيل أوياي، فإن الأزمة لا تكمن فقط في الجغرافيا أو الحوكمة، بل في “عقلية محاصَرة”—حيث تحل الأوهام محل الفعل، وتُدار الدولة كعرض مسرحي لا ككيان حقيقي.
۞ كسر العزلة: من الجغرافيا إلى السياسات
الحل لا يكمن في تغيير الجغرافيا، بل في تغيير طريقة التعامل معها. يمكن لجنوب السودان أن يتحول إلى نقطة وصل إقليمية—لا مجرد دولة مغلقة. كيف؟
- ببناء طرق وسكك حديد تربط جوبا بالموانئ الإقليمية، عبر مشاريع مثل ممر النقل لامو–جنوب السودان–إثيوبيا (LAPSSET).
- بإحياء النقل النهري عبر النيل الأبيض، وربط الموانئ الداخلية مثل ملكال وجوبا.
- بتطوير الزراعة وصناعات الغذاء، خاصة في المناطق الخصبة والمهمّشة.
- والأهم: باعتماد سياسة خارجية مرنة تُعلي المصالح الاقتصادية على الحسابات الضيقة، وتستثمر في علاقات متوازنة مع الدول المجاورة.
۞ المجتمع المدني: كسر العزلة من الأسفل
في غياب الرؤية الرسمية، بدأ بعض أطراف المجتمع المدني في جنوب السودان بالتحرك. منتديات مثل “منتدى المجتمع المدني لجنوب السودان” تطالب بإصلاحات دستورية، وعدالة انتقالية، ومشاركة شعبية حقيقية في رسم مستقبل البلاد. هذه المبادرات، رغم محدوديتها، تفتح نوافذ صغيرة في جدران العزلة.
۞ في نهاية المطاف
لا يحتاج جنوب السودان إلى ساحل كي يعيش—بل إلى بوصلة. يحتاج إلى قيادة تدرك أن الجغرافيا ليست سجنًا إلا حين تُدار بعقلية الحصار. وأن الانفتاح يبدأ لا من الموانئ، بل من السياسات، ومن الرؤية، ومن القدرة على تحويل التضاريس إلى فرصة—لا إلى ذريعة.
فلنبدأ من هنا؟ بإعادة تعريف الجغرافيا كمسؤولية، لا كقدر؟ بكسر العزلة—لا عبر البحر، بل عبر الإرادة؟
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم