lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
منذ إعلان تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983، قدّمت نفسها بوصفها مشروعاً ثورياً لتفكيك بنية الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة. لم يكن منفستو الحركة مجرد بيان سياسي لحركة مسلحة، بل محاولة جريئة لتشخيص أزمة الدولة السودانية بوصفها أزمة مركزية مزمنة، تتجاوز الانقسام الجغرافي بين الشمال والجنوب، وتمتد إلى طبيعة السلطة، والهوية، وتوزيع الثروة. غير أن المسار الذي سلكته الحركة الشعبية، خاصة بعد رحيل قائدها المؤسس د. جون قرنق دي مبيور، كشف عن انفصال متزايد بين الفكرة والممارسة، وبين مشروع “السودان الجديد” وواقع الدولة في جنوب السودان، وصولاً إلى الصراع الحالي الذي يعكس فشلاً مركباً في بناء الدولة. انطلق منفستو 1983 من نقد جذري للدولة السودانية التي وصفها بأنها دولة إقصائية، تحتكرها نخبة ضيقة وتُدار بمنطق الهيمنة الثقافية والسياسية. دعا المنفستو إلى دولة علمانية ديمقراطية تقوم على المواطنة، وتفصل بين الدين والسياسة، وتحقق تنمية متوازنة بين الأقاليم. في هذا السياق، طرح د. جون قرنق رؤية استراتيجية تمثلت في نقل مركز الدولة من المدينة إلى الريف، ليس بمعناه الجغرافي فقط، بل بوصفه إعادة توزيع للسلطة والخدمات والفرص، بحيث تصبح الدولة حاضرة حيث يعيش المواطن، لا العكس. غير أن هذا الطرح، الذي شكّل أحد أكثر عناصر المشروع جذرية، لم يجد طريقه إلى التطبيق. فبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، ثم بعد الاستقلال، امتلكت الحركة الشعبية سلطة الدولة ومواردها، لكنها أعادت إنتاج النموذج المركزي الذي انتقدته. لم تُنقل المدينة إلى الريف، بل جرى تكريس الريف كخزان بشري للحرب، بينما احتكرت المدن، وعلى رأسها جوبا، القرار السياسي والاقتصادي. وهكذا تحولت الدولة الوليدة إلى نسخة مشوهة من الدولة التي ثارت عليها الحركة. شكل رحيل د. جون قرنق عام 2005 لحظة مفصلية في تاريخ الحركة الشعبية. لم يكن قرنق مجرد قائد عسكري أو سياسي، بل كان حامل المشروع الفكري للحركة، وضابط توازن بين مكوناتها المختلفة. بغيابه، لم تنتقل الحركة إلى مرحلة مؤسسية تحكمها الأفكار واللوائح، بل انزلقت سريعاً إلى شخصنة السلطة. تحولت القيادة من مشروع إلى أفراد، ومن رؤية إلى شبكات مصالح، وأصبح الولاء للأشخاص بديلاً عن الالتزام بالمنفستو. هذا التحول كان له أثر عميق على طبيعة الحكم في جنوب السودان. فقد تآكلت مؤسسات الدولة الناشئة، وضعفت آليات اتخاذ القرار، وغابت المساءلة. لم يعد المنفستو مرجعية سياسية، بل وثيقة رمزية تُستدعى عند الحاجة الخطابية. ومع غياب الديمقراطية داخل الحزب الحاكم، كان من الطبيعي أن تغيب في الدولة. وهكذا تشكّل نظام سياسي هش، يقوم على توازنات شخصية وعسكرية، لا على عقد اجتماعي واضح. الصراع الذي انفجر في ديسمبر 2013 لم يكن حادثاً عارضاً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الفشل في إدارة الدولة. فقد تداخل الحزب بالجيش، والقبيلة بالسياسة، وتحولت الخلافات داخل النخبة الحاكمة إلى صراع دموي انعكس على المجتمع بأسره. في هذا السياق، سقط ما تبقى من خطاب “السودان الجديد”، وحل محله منطق البقاء في السلطة بأي ثمن. وأصبح السلاح، مرة أخرى، هو الأداة الأساسية لإدارة الخلافات. اقتصادياً، عمّق هذا المسار من الأزمة. فالدولة التي بشّر منفستوها بالعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، تحولت إلى اقتصاد ريعي يعتمد على النفط، دون رؤية للتنمية الزراعية أو الريفية. لم تُستثمر الموارد في بناء بنية تحتية أو تطوير الريف، بل استُخدمت لتمويل الصراع السياسي والعسكري. وهنا يتجلى الفشل الأكبر في مشروع “نقل المدينة إلى الريف”: إذ لم يُنقل لا القرار ولا التنمية، بل نُقلت معاناة الريف إلى قلب الدولة. إن شخصنة السلطة بعد رحيل جون قرنق لم تُفقد الحركة الشعبية بوصلتها الفكرية فقط، بل قادت إلى تفريغ الدولة من مضمونها. فالدولة التي تُدار بمنطق الأشخاص لا المؤسسات، وبالولاء لا الكفاءة، تصبح عاجزة عن إدارة التنوع أو حل النزاعات. وهذا ما يفسر استمرار الصراع حتى اليوم، رغم الاتفاقيات المتعددة، لأن جذور الأزمة لم تُعالج، بل جرى الالتفاف عليها بتسويات مؤقتة. تاريخياً وسياسياً، تكشف تجربة الحركة الشعبية عن مأزق حركات التحرر حين تفشل في التحول إلى أحزاب دولة. فالمنفستو كان طموحاً، لكن غياب المؤسسية، وتقديس القيادة، ورفض النقد الداخلي، كلها عوامل حوّلت المشروع من رؤية تغيير إلى أداة سلطة. ومع كل جولة صراع، تبتعد الدولة أكثر عن أهدافها التأسيسية. الدروس المستخلصة من هذه التجربة لا تخص جنوب السودان وحده، بل كل حركات التحرر في إفريقيا. أول هذه الدروس أن غياب الانتقال المؤسسي بعد القائد المؤسس يفتح الباب أمام شخصنة السلطة. وثانيها أن الريف، إذا لم يكن في قلب مشروع الدولة، يتحول إلى وقود دائم للصراع. وثالثها أن السلام لا يُبنى بالاتفاقيات وحدها، بل بإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة. في المحصلة، فإن منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان لعام 1983 مثّل مشروعاً تقدمياً طموحاً، لكن تجربة الحكم، خاصة بعد رحيل د. جون قرنق، كشفت عن فشل الحركة في حماية هذا المشروع من التآكل. لم تُنقل المدينة إلى الريف، ولم يُبنَ عقد اجتماعي جديد، بل جرى استنساخ دولة مركزية ضعيفة انفجرت من داخلها. وإذا كان لجنوب السودان أن يخرج من أزمته الراهنة، فإن ذلك يتطلب قطيعة فكرية وسياسية مع شخصنة السلطة، والعودة إلى جوهر السؤال الذي طرحه المنفستو قبل أكثر من أربعين عاماً: كيف تُبنى دولة تخدم شعبها لا نخبها؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم