حبيبنا زهير الزاهر،
سلامات كتار وبعد..
وصلني ردك (مرفق)، فهزّ في القلب شيئاً من حنينٍ قديم إلى بلدٍ طيب، أهله كلهم كرماء يتقاسمون النبقة كما يتقاسمون الفرح. وليس هذا من باب المجاملة، فالصدق – كما نعرف – صنعة سودانية أصيلة، والكرم طبعٌ يسكن النفوس قبل البيوت.
ثم بعد..
أما رأيت كيف كرّم الله سبحانه وتعالى القلم؟ فقد ورد في الأثر أن أول ما خلق الله القلم، ثم جاء الوحي لنبيه الكريم حين قيل له: اقرأ. وهناك أُعلن للإنسان سرٌ عظيم: أن ربه علّمه بالقلم، وعلّمه ما لم يعلم.
شايف يا زهير عظمة القلم؟ وشايف مكانة العلم كيف ارتبطت بالحرف منذ البدء؟
يا زهير، في الحقيقة أنا كنت كايس درباً يوصلني ليك… وها أنا قد وجدته. أسأل الله أن يديني قلماً سمح بالحيل، مبري وعديل، ومعاه عَمار ودواية، ولوحاً ممسوحاً، عشان أجالسك في مجلس الأرواح، ونتعلم منكم كيف نفك الحرف من أوله.
فاليد – يا صديقي – قد اشتاقت للكتابة حتى كادت أن تيبس من طول هذا الهجر، بعد أن جاءت أمور الدنيا الجديدة ونسخت علينا رسم الحروف وتقعيد الكلمات، حتى صرنا أحياناً نكتب بأصابعنا على الشاشات، ولا نسمع خشخشة القلم على الورق.
كلامك عن الحيشان والرواكيب ساقني سواقة مباشرة إلى قلب الجزيرة؛ هناك حيث ترقد جداول الموية في سكونٍ جميل، وتحتضنها الترع التي تنقل ماء الحياة، لينبت الحَب والقطن والقمح… وينبت معها علمٌ نافع.
هناك تعلّمنا أصول الحياة، وتعلّمنا أن الأرض ليست تراباً فقط، بل ذاكرة وكرامة.
وقد وقفت طويلاً عند قولك:
“أنا زيك، ما شايف الكتابة باليد مجرد حنين ساكت للماضي، لكن شايفها جسر بين الزول ونفسه. لما نشخبط كلمة، أو نشطب تانية، أو الخط يميل شوية كأنو اتعثر، بحس إنو الفكرة ذاتها بتتنفس، وإنو المعنى بيتولد قدامنا على مهله… زي شروق الصباح في الفريق لما الضوء ينساب بالراحة فوق الخضرة.”
وهو قول يلتقي تماماً مع ما أراه. فبالرغم من أوجاع التعلم الأولى – سواء كانت بالتحانيس أو بالدق – فقد طوّعونا على مزج الحروف بعضها ببعض حتى تولد الكلمة المفيدة.
وصناعة الحرف يا زهير، ونطقه، ليست مجرد مهارة… بل فن وموهبة. لقد كتبنا على الأرض، وعلى الرمل، وعلى كل ما كان متاحاً. وكأن الحرف كان يبحث عنا بقدر ما كنا نبحث عنه.
وفي الختام، دعنا – كما اقترحت – نترك الباب موارباً؛ يدخل منه من يشاء، ومن أبى فلا تثريب عليه.
فذلك لن يسكت رنين القلم، ولن يوقف الحروف وهي تبحث عن طريقها إلى الضوء.
ابقَ طيباً يا أخوي.
عثمان يوسف خليل
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
الأخ الحبيب / عثمان يوسف خليل
سلام يليق بمودتك السمحة، وبالنفس الصافي البتسلل بين سطورك.
والله يا أخوي عثمان، قريت ردك ده زي الزول البلقى جواب قديم جايهو من أعز الناس؛ جواب فيهو ريحة الورق، وونسة الحروف، وطمأنينة الزمن الزين. انبسطت بالحيل بكلامك، ما عشان جيت في حقي، لكن عشان رجّع لينا معنى بسيط ضاع في زحمة الأيام و إنو الكتابة في أصلها مجالسة أرواح قبل ما تكون سطور مرصوصة
حديثك عن الكتابة باليد رجّعني لبيوتنا القديمة في السودان؛ البيوت الـلي كان فيها راكوبة في نص الحوش، نقعد تحت ضلها ما هروب من الدنيا، لكن عشان ناخد نفسنا شوية قبل ما نرجع لمعافرتها من جديد. القلم في إيدي بشبه الراكوبة دي؛ ما بعزلنا عن الحياة، لكن بدينا فرصة نتأمل ضجيجها ونفهم إيقاعها براحة
أنا زيك، ما شايف الكتابة باليد مجرد حنين ساكت للماضي، لكن شايفها جسر بين الزول ونفسه. لما نشخبط كلمة، أو نشطب تانية، أو الخط يميل شوية كأنو اتعثر، بحس إنو الفكرة ذاتها بتتنفس، وإنو المعنى بيتولد قدامنا على مهله… زي شروق الصباح في الفريق لما الضوء ينساب بالراحة فوق الخضرة
عجبتني شديد دعوتك لإحياء تراسل الكُتّاب والله يا عثمان الجواب ما مجرد سلام مكتوب؛ هو ونسة العقول لما المسافات تطول، وهو الطريقة البدق بها الفكر باب الفكر بعيداً عن استعجال الزمن الرقمي
عشان كده يا صاحبي خلّي الباب ده موارب كدا و نكتب لما الفكرة تمرق، ونختلف لو استدعى الأمر، ونلتقي دايماً في المساحة الحنينة اللي بتصنعها المودة بين الكُتّاب
ليك مني صافي الود، ولقلمك العارف دربه للقلب تحية تليق بيهو .
أخوك
زهير عثمان
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم