الخال العزيز، سلامٌ واحترامٌ يغشاك، وأنت طيب. طوّقتك العافية، ونزلت عليك السكينة، وسقتك الأيام من رحيق العوافي.
أولاً يا أبو قيلي، احاول أن أمتلك بعض من لسان ذرب، ومن العقل الثاقب، وأن أُلِمَّ أطراف شجاعتي؛ كل ذلك لأنني لم أجرب من قبل أن أكتب إليك. ولكن حين تغلب العاطفة العقل، يجري الكلام مجرى الدم في العروق، كما يفعل المزن بالأرض اليباب.
ما زلت غير مصدق أنك على سرير المرض. وأيُّ مرضٍ هذا الذي يهزم الفرّاس؟ وليت الأمر بيدي لفديتك بنفسي، ولكنها أقدار الله، تصيب كل إنسان بما كتب له، ومن كُتبت عليه خُطا مشاها.
وكل أمر المؤمن خير، كما أخبرنا رسولنا الكريم ﷺ. فأبشر، فإن مع العسر يسرًا، يا من سميت أغلى كريماتك يسرى، تلك التي كانت تناديني: يا عمو، وأنا أخوها الأكبر.
منذ طفولتي، كنت مولعًا بسماع أمي؛ تلك التي لم تلدها أمك، لكنها كانت أمها البديلة بعد أن رحلت حبوبه بخيته وامي صغيرة، لتتولاها حبوبه النعمة، تلك الحبوبة التي عوضتنا نحن أيضًا عن بخيته بت أم بلي. بالله، هل هناك شرف أعظم من هذا؟
وكم كانت لي من حكايات مع الوالدة النعمة، روتها لي، وكان جلها عن والدكم، جدي ود جبيرة، وعن أهلها بالبشاقرة الشرقية، أم قرى البشاقرة وأساسها. كانت تلك الحكايات بالنسبة إلينا أكثر من مجرد ذكريات؛ كانت جسرًا نعبر به إلى ماضينا، ونتعلم منه أن الإنسان لا يعيش وحده، بل يعيش بما يورثه من مودة وطيب ذكر.
وكبرنا يا خال، وكان بديهي ان نتحسس دروب المعرفة، ولا بد لنا من مرشد يدلنا على الطريق الصحيح، فكنت أنت كالشمعة التي أضاءت لنا الدرب. وبشويش… بشويش… خطونا في ذلك الطريق الذي لم يكن، قطعًا، مفروشًا بالورد. ولم تكن مرشدًا بالسؤال والإجابة فقط، بل بالمتابعة، والتشجيع، والدعم، وبمجاميعك التي فتحت لنا أبوابًا واسعة للقراءة والحوار.
وأنت تعلم يا خال اكثر منا أن الإنسان لا يُقاس بعدد السنين التي عاشها، وإنما بعدد الأرواح التي ترك فيها أثرًا. وبعض الناس يرحلون فلا يترك غيابهم إلا فراغًا في المقاعد، أما أنت، فقد تركت بصمتك في العقول قبل القلوب. كم من شاب دفعتَه إلى كتاب، وكم من حائر دللتَه على طريق، وكم من كلمة قلتها في وقتها كانت خيرًا من مال كثير. لذلك لم يكن حب الناس لك وليد قرابة أو مجاملة، وإنما هو ثمرة عمرٍ عشته بين الناس معلمًا، وناصحًا، وكريم الخلق.
ولعل أجمل ما يطمئن القلب أن الأثر الطيب لا يمرض، وإن مرض صاحبه؛ بل يبقى حيًا في الذين تعلموا منه، ونهلوا من معين خلقه وعلمه.
وأعرف أن لكل جواد كبوة، ولكن كبوتك ليست ككل الكبوات. فأنت الطود الأشم، ومطمورة الغلا الما بعلاها قول. قوم يا زول… يا أشم، يا ضو قبيلته، وعشم أهله، وسنّاد الضعيف، وجبار الكسور، ويا مقنّع كاشفات بنوت قبيلته.
وصراحة، لم أكن أظن أن يأتي يوم أكتب إليك أحثك فيه على النهوض، وأنت ذاك الأسد الهصور، والمقدَّم، حمّال الشيلة التقيلة.
ولعل هذه الرسالة تكون بداية لسلسلة رسائل نكتبها لمن صنعوا في حياتنا أثرًا، حتى لا تضيع سيرتهم في زحام الأيام، وحتى تجد الأجيال القادمة ما تتعلمه من رجالٍ مثلك. فالوفاء لا يكون بعد الرحيل فقط، بل يكون أيضًا ونحن ما زلنا نستطيع أن نقول لمن نحبهم: شكرًا لأنكم كنتم جزءًا جميلًا من حياتنا.
انهض يا خال… كما عهدناك قوى الشكيمة.. انهض يا وطننا الجميل..وانهض يا نيلنا… الما بهددوه بالسيل..ودمت بعافية، ومحبة، ورضا.
ابنك المحب
عثمان يوسف خليل
osmanyousif1@icloud.com
