د. الهادي عبدالله أبوضفائر
في قريةٍ تنبض بإيقاع الأرض وتدّخر الأيام في ذاكرة الحكايات، عُرف رجلٌ بشراهته في الأكل، حتى غدت المائدة عنده مِحكّاً خفيّاً للأخلاق، ومرآةً لا تجامل صاحبها. لم تُعرَف سيرته بما يقول، بل بما يفعل حين تمتدّ الأيدي إلى الأطباق، كأن الجوع الذي يسكنه لم يكن جوع الجسد وحده، بل توقٌ أعمق يكشف ما تخبئه النفس حين تُوضع أمام اختبارٍ صغير.
وحين دُعي الناس إلى وليمة عقدِ قران، حاولوا أن يخفوا عنه الخبر، لا كراهيةً فيه، بل اتقاءً للحرج. غير أنّ للولائم رائحةً تُفشي سرّها، وللشراهة ذاكرةً لا تخطئ المواعيد، فعرف بالأمر. اشترطوا عليه الاعتدال في الأكل، فقبل الشرط في هدوء. لكن ما إن وُضعت الأطباق أمامه حتى تهاوى العهد، وانزاح الحياء، وتقدّمت الرغبة على الوعد. كأن النفس، حين تواجه شهواتها، تكشف حقيقتها.
حاولوا تذكيره بالهمهمة والإشارات، ثم بالكلمة الصريحة، فلم يستجب. فنهض الشيخ يذكّره بحرمة العهد، وأن الوفاء بالشرط ليس تفضّلاً يُؤتى حين يُشاء، بل حقٌّ قائم، وأن العهد كان مسؤولاً. رفع الرجل رأسه وقال بلا مواربة: «الكلام في جودة الملاح». بدت جملةً عابرة، لكنها كانت اعترافاً كاملاً، تبريراً للفعل لا بنقائه، بل بنتيجته.
ساد الصمت. لم يكن خجلاً فحسب، بل كأنّه إقرارٌ خفيّ بأن العهود لا تكفي دائماً لترويض النفس. فبعض الناس، مهما أُحيطوا بالمواثيق، يظلّون أسرى شهواتهم الأولى. وحينها يتبدّى وجه الحقيقة العارية. قد ينقض الإنسان وعده لا شرّاً خالصاً، بل لأن رغباته، في ميزان قلبه، تبدو أصدق حضوراً من القيم، وأشدَّ سلطاناً من نداء الضمير.
ومنذ ذلك اليوم، لم تُروَ الحكاية في القرية على أنها قصة رجل أفرط في الأكل، بل شاهداً على حقيقة تتكرر عبر الزمن: أن المواقف الصغيرة لقمة عابرة، نظرة خفية، كلمة عفوية هي المِحكّ الذي تنكشف عنده معادن الرجال، لا الخطب الرنانة ولا الوعود المصقولة. ولعل في هذا المعنى ما يفسّر الحكمة المنسوبة إلى ابن خلدون حين سُئل، من أوثق الرجال؟ فأشار إلى من يخشى الفضيحة، لأن من راقب نفسه في الخفاء، استقام أمره في العلن.
في أزمنةٍ بعينها، لا تمرّ الأزمات بنا عابرة، بل تسكننا، حتى يبدو كأنّ التاريخ اختار أن يقيم في داخلنا لا أن يمرّ بمحاذاتنا. هناك يُمتحن الضمير قبل الظرف، وتنكشف حقيقة المواقف. عندما تضيق الرؤية، تنكمش المصلحة العامة حتى لا تعكس إلا الذات، ويُستبدل العهد بإشارةٍ عابرة، وتعلو المصلحة الشخصية على حساب القيم، قيمٌ لا تسقط دفعةً واحدة، بل تتآكل ببطء في صمت.
أما الوطن، فليس حدوداً تُرسَم ولا أناشيد تُرتَّل، بل مسارٌ أخلاقيٌّ طويل، تُختبر فيه قدرتنا على الثبات والوفاء بالعهود دون أن نهوي، وعلى اختيار الحق حين يكون دربه أشدّ وعورة. والقرية ليست جغرافيا بقدر ما هي حالةٌ إنسانية؛ فضاءٌ يقيم فيه الناس للفرح مقاماً تحت ظلال الخوف، ويحتفلون رغم قلقٍ يتقدّم فيه هاجس الفضيحة أحياناً على هاجس الخطأ نفسه. ومع ذلك، يظل أهلها، في بساطتهم العميقة، متشبثين بقيمة الاتفاق، مؤمنين بأن للكلمة وزناً، وأن الرجولة وفاءٌ يُمارَس لا ادعاءٌ يُقال.
هنا، تصبح الفضيحة، في صمتها القاسي، حارساً غير معلَن للأخلاق، وضابطاً خفيّاً لاقتصاد العطاء، وميزاناً دقيقاً يحقّق قدراً من العدالة ويصون استدامة الكفاية. ومن هذا النسق الصامت، تتحوّل الأخلاق إلى سياسةٍ بلا شعارات، وتغدو ممارسةً يومية تتجسّد في تفاصيل العيش، يبتكر عبرها البسطاء طرائقهم الخاصة لمقاومة الانهيار، بالصبر المتراكم، لا بالضجيج العابر.
المائدة ليست طعاماً يُقتسم، بل رمز سلطة مُقنَّعة، واستعارة لكل ما يوضع باسم الجميع. وما إن تُقدّم، تنهار الأقنعة، ويغدو العهد هامشياً، فيما تصعد المصلحة الشخصية إلى قانون أعلى. الناس لا يُقاسون بقدر مشاركتهم، بل بقدرتهم على تحويل المشترك إلى غنيمة. والحكمة القاسية تكمن في التمييز بين ما يُمنح باسم الوطن وما يُنتزع باسم الذات.
الهمهمة همس الشارع. تذمّر خافت، غضب مكتوم، ونظرات استنكار. أما الشيخ، صوت الحكمة والضمير الجمعي، فلا يزال يؤمن بحرمة الكلمة. وحين قال الرجل: «الكلام كلّه في الملاح»، لم يكن يبرّر شراهته فحسب، بل اختصر واقعنا. تبرير الفساد باسم الكفاءة، وتغليف النهم بذريعة الخبرة. والحكمة المرة. مهما علا مستوى المنتج، فهو عاجز عن محو العطب الذي زرعه الفساد، ولا عن إخفاء الحقيقة التي يعرفها الجميع.
الوطن لا يُقاس بما نأخذه منه، بل بما نتركه فيه. فلقمةٌ بلا حدّ تُنتزع من أفواه الجميع، وصمتٌ بلا وعي يطفئ ما تبقّى من ضميرٍ جماعي. والحكمة أن ندرك أن الاكتفاء ليس حرماناً، وأن التوقّف قبل أن تبتلع اليد كل شيء هو أولُ درجات العدالة، وأبسطُ صور احترام ما يخصّ الجميع. فكل نهبٍ باسم الذات يخلّف فراغاً لا يملؤه إلا وعيٌ مستيقظ. وليس الاستنزاف فعلاً عابراً، بل درسٌ خفيّ: أن تجاوزاً صغيراً على المائدة قد يعكس تجاوزاً أكبر في المجتمع، وأن الشراهة الفردية ليست إلا علامةً على هشاشة الروابط بين الناس. وفي النهاية، من يعرف متى يتوقّف يدرك أن حماية الوطن تبدأ بضبط النفس؛ فليس العدل شعاراً يُرفع، بل عادةٌ يومية، ووعيٌ يكبح اليد قبل أن تلتهم القيم والمورد.
abudafair@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم