جون يونق: من نيفاشا إلى إعلان باريس .. بقلم: عمرو محمد عباس محجوب
26 سبتمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
45 زيارة
في احدى مناسبات الاحتفال بالخمسينية لاحد الاحزاب، تم في اجواء احتفالية كبيرة، في قاعة تتجمل بالهيبة والديكورات الفخمة الضخمة، التي لاتوجد في الوقت الحالي إلا في قاعات اجتماعات الحزب الشيوعي الصيني، كنت اجلس بجوار الشاعر الفذ الراحل جيلي عبد الرحمن. وفي فسحة صمت بين برنامجين وقد ابديت اعجابي بالحفل علق الراحل الذي كان احد اباطرة السخرية عميقة التحليل “احتفال خمس سنوات مكررة عشر مرات”.
عام 2012 اصدر جون يونق كتاب ” مصير السودان: أصول وعواقب عملية سلام معيبة” وهو ترجمة لعنوان الكتاب ” John Young: the fate of Sudan: origns and consequences of a flawed peace proce, Zed books, London, 2012 )). عاش مؤلف الكتاب جون يونق في منطقة القرن الأفريقي وتنقل بين دولها منذ العام 1986 حيث عمل باحثاً في ميادين السلام والأمن، الحكم، الفيدرالية والصراعات والأحزاب السياسية وذلك من خلال مختلف المواقع التي عمل بها صحافياً وباحثاً أكاديمياً وخبيراً لدى الحكومة الكندية وأحد مراقبي عملية السلام في السودان ومستشارا سياسيا لدى مركز كارتر خلال فترتي الأنتخابات وأستفتاء الجنوب على حق تقرير المصير.
تناول عدد من المفكرين والفاعلين عرض الكتاب. اعتبره الاستاذ محجوب محمد صالح كتاباً لابد من قراءته لكل مهتم في الصراعات الجارية في القرن الأفريقي، وخاصة السودان. “وكان يونق واحدا من عدد قليل من المحللين الذين اكتشفوا، في وقت مبكر جداً، كيف كان اتفاق السلام الشامل معيباً، وانها كانت نتيجة لضغوط متواصلة فرضها المجتمع الدولي المضلل على الطرفين وكانت تهدف إلى حل النزاع بين الشمال والجنوب”.
اعتبره اليكس دي وال – المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي- “قضى جون يونغ 25 عاما من العمل في السودان وجيرانه والنتيجة هو كتاب غني في التفاصيل “، اما عن التفاوض “لم يكن الوسطاء الدوليين ومؤيديهم مهتمين في معالجة المشاكل العميقة للدولة السودانية”. والنتيجة “ان يونغ توصل الى أن الجهود الدولية لحل حروب السودان فشلت في تعزيز التحول الديمقراطي وساهمت بدلاً من ذلك إلى إدامة الأزمات في البلاد”.
عطا البطحاني -أستاذ العلوم السياسية، جامعة الخرطوم- رأى الكتاب موثقاً جيداً، مليئاً بتفاصيل تاريخية غنية والادراك للأدوار الرئيسية للأحداث في التاريخ السياسي للسودان (قبل وبعد عام 2005 اتفاق السلام الشامل)، وقال أن الكتاب قال هذا بأسلوب واضح. واعتبر الكتاب هاماً هو ليس فقط بالنسبة لأولئك المعنيين مع قضايا لا تزال دون حللكن للجهات الدولية من أجل استخلاص الدروس لتجنب مأساة السلام الفاشلة في حلول النزاعات الآخرى. (كل التعليقات اعلاه في http://www.zedbooks.co.uk/paperback/the-fate-of-sudan)
وفي مقالة ليبرالية بناء السلام وسودانين على صفحة وراسكيبس، كتب جون يوتق ومايكل بوش “ولكن النجاح المفترض لعملية السلام السودانية كان أي شيء ولكن وفقا لجون يونغ، المحلل والباحث منذ فترة طويلة في السياسة السودانية. في كتابه الجديد، فإن أمريكا بقيادة التدخلات الدولية على مدى العقد الماضي في السودان عززت عملية صنع السلام التي خلقت دولة جديدة – جنوب السودان – لكنه فشل في التصدي لبواعث قلق قديمة من تلك الفئات المستبعدة من العملية . وكانت نتيجة ذلك، وفقا ليونغ، دولتين استبداديتين ضعفتين في الشمال والجنوب، بينهما سلام هش بينهما وديمقراطية قليلة جداً، والسكان في كلا البلدين لا يزالون يعانون. الأسوأ من ذلك، تركت هذه المشاكل والقضايا العالقة ومن المرجح أن يؤدي إلى مزيد من الأزمات والصراع المستمر في السنوات القادمة. (http://www.warscapes.com/conversations/liberal-peacebuilding-and-two-sudans).
جاء في عرض لكتاب مصير السودان: نتائج وجذور عملية السلام الناقصة في الراكوبة ” يقول المؤلف ان تجربة السودان مع عملية السلام ليست متفردة، وأنما معدة ومدفوعة بواسطة المجتمع الدولي وتعتمد على أساس نظري ضعيف. ونقطة البداية تتمثل في دفع الجهات المتحاربة الى التوصل الى اتفاق عبر وسائل سلمية ونقل الصراع عبر جهد ديبلوماسي ليكون حوارا غير متسم بالعنف حيث يمكن حسم الخلافات عبر مؤسسات ذات صفة تمثيلية. أما مرحلة بناء السلام فتعرف على أساس انها نشاط ما بعد الصراع لدعم الهياكل التي ستعمل في نهاية الأمر على تقوية السلام ومنع تجدد الصراع والعنف”.
تناولت في كتابي السودان موحداً (https://independent.academia.edu/AmrAbbas3)، “قدمت الايقاد لقيادة عملية التفاوض، ثم تولى اصدقاء الايقاد من الغرب السيطرة على المشهد حتى تحقيق الاتفاق. مع هذا الاتفاق بدأت مسارات متوازيه: تم تحويل العملية من عملية سياسية تهم كل الوطن، إلى عملية تقنية عزل عنها الرأي العام، التنظيمات الشمالية، مصر والعالم العربي بشكل كبير، واهتمت بتفاصيل دقيقة حول الحدود، توزيع السلطة والثروة والسلاح. لتلافي هذا تمت لقاءات متعددة بين مستويات مختلفة في الصراع السوداني، لكنها التزمت بالتوجه العام بتواجد مؤسسات تمثل جانبي المفاوضات”.
ورغم أن الاتفاقيات المتلاحقة (نيفاشا، القاهرة واسمرا) كانت تتحدث عن تحول ديمقراطي، اصلاحات سياسية وأدارية واسعة، فقد توقفت هذه في تقاسم شكلي للسلطة في شكل مناصب، وضع دستور به قدر معقول من الحقوق السياسية وحريه التعبير وتكوين الاحزاب تمهيداً لانتخابات في عام 2010. كان الطرفان مشغولان بترتيب الاوضاع في دولتي السودان، بعد الاستفتاء والذي كان يشير بشكل واضح وحتمي للإنفصال. اما خلق المناخ الجاذب للوحدة التي انشغلت بها قوى عديدة في الشمال فقد كان حرثاً في البحر، فكل الطرق كانت تقود إلى الانفصال”.
الغرض الرئيسي من هذا الاستعراض الطويل لكتاب جون يونق، انه اوضح كل العيوب التي رافقت التدخلات الدولية في مسارات التفاوض السودانية في تاريخ قريب جداً، عشنا كلنا تفاصيلها القاسية، وحضرناها في حياتنا القصيرة، لخصتها في السودان موحداً “انتمي لجيل من السودانيين كان الانفصال بالنسبة اليهم كارثة ماحقة لم يتخيلوا أنهم سوف يحضرونها، لم يكونوا جاهزين لها لذلك فقد كان الوقع مآساوياً لدرجة أنهم انتقلوا من مرحلة النكران مباشرة لليأس المطبق. هذا هو الحال في قطاع كبير من جيلي، صمتوا ولم ينبسوا ببنت شفة”.
ليس لدي مطلقاً اي شكوك حول دوافع الموقعين على إعلان باريس، وأنها تنطلق من افكار مستقرة في الفكر العالمي حول التسوية التأريخية، كان ابرزها اتفاق ماديلا –ديكليرك في جنوب افريقيا، والتي يحمل تراثها المبعوث الاممي ثابو مبيكي. لكن هذه تتحرك في مدى محدود ضمن الاستراتيجية الدولية والتي اولوياتها وقف الحرب وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وليس هناك مانع أن تتطور لاتفاق شامل، لكنها قطعاً لاتضع في حساباتها مسائل من النوع الذي يهمنا من مثل المحاسبة، التحول الديمقراطي وغيرها والتي داست عليها اتفاقات نيفاشا بالاقدام.
كان هذا الموقف الدولي واضحاً في قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الاخير، كما رصدته داليا حاج عمر في سودانايل ” إن أقل ما يمكن أن يُقال عن قرار مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي تمت إجازته بشأن السودان في ذلك الأسبوع إنه كان ضعيفاً…يُضاف إلى ما سبق أن لغة القرار تضمّنت فحسب “مخاوف” بشأن الوضع الإنساني في دارفور وولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وتجاهلت تماماً عمليات القتل الواسعة.. فشل القرار أيضاً في تسليط الضوء على الاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين وتعذيب المعتقلين السياسيين والإشكاليات التي يتسم بها قانون الأمن الوطني السوداني لسنة 2010، الذي يمنح حصانة كاملة لأفراد الشرطة وعناصر جهاز الأمن والمخابرات الوطني – الأمر الذي يشكل حاجزاً أمام المحاسبة والعدالة في الجرائم التي يقترفها العاملون في الأجهزة الأمنية التابعة للدولة”.
الجيد في اجواء إعلان باريس أن من قبلوا التسوية التأريخية، ومن رفضوها او تحفظوا عليها متفقون حول الاهداف النهائية الواجب تحققها، بعكس نيفاشا التي ايدها الكل على كارت بلانش. الرافضون والمتحفظون لم يلزموا بيوتهم في انتظار جودو هذا، بل هم في الشوارع، المعتقلات ويعبرون عن مواقفهم بصلابة ووضوح، ويرصدوت بدقة المواقف المختلفة للمفاوضات المتعددة. الإعلان الأن في حجر الانقاذ وعليها أن تقنع هذه المرة، ليس من قبلوا او القوي الدولية، لكن الاخرين.
إذا كان جون يونق توصل في كتابة، رصداً، تجميعاً للمعلومات وتحليلاً، فقد توصلنا –جمع مقدر من المواطنين- لهذا من واقع تعايشنا. وحتى لاتقع حركتنا السياسية، خاصة طرفي أعلان باريس، فيما قاله اليكس دي وال “واحدة من البديهيات عن السودان هو أنه كلما كنت تعرف أكثر عن هذا البلد، كلما كان من الصعب أن تكتب أي شيء منطقي”. لكن جون يونق كفانا مشقة هذا وقدم لنا كتاباً واضحاً، ولكن أيضاً رصد محكم من أجل تحقيق التماسك السردي والتحليلي.
omem99@gmail.com
////////////