كنت قد تمثلت في كلمتي الأولى للترشيح لرئاسة الجمهورية بولي صالح من كتاب “طبقات ود ضيف الله”. عاد الولي إلى بلده من بعد أن تفقه في الدين في غيرها. فقال “البضوي اليضوي في بلده.” ولكن الولي الصالح الذي كان في ذهني حقاً فهو الفكي الحسين من عابداب الرباطاب جنوبي بلدة عتمور المحروسة غرب النيل. فهو لم يفرح لعودته ببلده من بعثته بمسيد العراقاب ببلدة نوري بالشايقية فرح ذاك “المضوي في بلده”. بل اشترط على أهله لدخول بلدهم شروطاً قاسية غيَّرت ما بهم تغييراً.
حكت لي كرامة هذا الولي في 1984 السيدة زينب الفكي سادنة ضريح الولي. فهي التي تأخذ محبي الولي لزيارة ضريحه تدعوه أن يستجيب لغرضهم بالصورة المنغومة المعروفة. مثل: ” ياالفكي حسين ولادك الإتنين وبناتك الاتنين. يا ود رقية شيوخك الفي الشايقية. يا أبو عبد المنان ويا الفكي محمد أبو عثمان يا محمد صالح ابو التيمان تلحقونا وتحضرونا تخبرونا زملونا ما تهملونا.” وأذكر أنه اقتحمت مجلسنا ونحن في سبيل حديث الشيخ بنات صغيرات سائلات. فأغضب ذلك زينب فنهرتهن قائلة:
يا بنوت يا منافقات عاين قلة أدبهن
دايرين تاج السر
تاج السر ما هو في. تتجن السم
وقد تفقهت في علم الدعاء على يد الوالدة الحاجة جمال. وأشهد أن هذه دعوة بليغة مرموقة.
وقيل إن الفكي حسين فاق شيخه العراقي في العلم. فغالط شيخه فحَذِر الشيخ منه فقال: عاوز تسوي حكاية الحوار الغلب شيخو. وطلب منه العودة إلى أهله. وللحسين كرامة مروية عنه على عهد الطلب في الشايقية. فقد كان الطلاب يتناوبون حراسة زرع الشيخ حتى لا تأكله الجمال. فلم يذهب الحسين لنوبته يوماً ما. وجاءت الجمال ترعى الزرع ف”كضمت” على ورتابة القش أي غرزت أسنانه في لفافة منه ولم تزد فبقيت على حالها ذلك حتى الصباخ. فعلمت أن القش محروس برغم غياب الحارس.
أما الموقف الذي تمثلت به من حكاية الولي الصالح فهو شرطه أن ينصلح أهله قبل أن بقبل بالإقامة بينهم. فقد نزل أول أمره بالشريشاب وهي حلة الجقالبة لمدة يومين. ثم جاء إلى قريته العابداب. فوجد أولاد عمه لا يصلون ولا يصومون وناس مرايس وهيصة. وقال إنه لن يدخل الحلة إلا إذا دفقوا مريستهم في البحر. فَتَمنَّع أهله: “ما بنخرب حاجتنا فيشان الفقير دا”. وأذكر أن زينب ضحكت على غلظة أهلها في الضلال.فرفض الحسين النزول للقرية مقيماً عند دومات على الشارع. وجرت المشاورات والأجاويد حتى اقتنع أهله بدلق المريسة في البحر. والتزموا بالصلاة وغيرها. وأعطوه عضمين (مقياس من الأرض الزراعية) جاهاً له ليخدم ضيفانه. فنزل وأوقد نار القرآن وبنى المسجد.
فكرت أن أجعل عودتي من الولايات المتحدة بعد نحو عشرين عاماً من الغربة مناسبة لتشريط اقامتي بينهم من جديد. فوجدت أن الرئيس نميري قد سبقني بالقيادة الرشيدة إلى دلق الخمور في النيل. وتجفف الشرطة الآن ما تبقى من مصادر هذه المادة بتوفيق لا بأس به. وبدلاً عن ذلك فكرت في أن أبقى بحرم المطار عند حلة “الجمركاب” اشترط لدخول البلد أن يكف الناس عن سكرة المال والجاه التي أشقت عباد الله المستضعفين. ولما كنت “قنعان” من مثل أجاويد العابداب من شدة أثر هذه السكرة على الملأ السوداني قررت أن اترشح لرئاسة الجمهورية حتى أجفف هذه المادة في أصولها ولا أترك لمن يعقبني ذيلاً منها.
أما القصة التي رغبت أن لو حدثت لي حقاً فهي قصة ابن الشيخ الحسين مع بنات الشايقية. فقد بعث الشيخ بابنه محمد إلى الشايقية لتلقي العلم. وكان محمد ما يزال طفلاً “الهدم ما بلبسو فوق كتفو” وسيماً حلو الشمائل. وبقي بالشايقية فلما عاد منها كانت دقنه دائرة. وقال إنه لن يتزوج إلا من بيت صالح من أهله العقيداب أو ولاد أب دنقلا أو الجامعاب أخواله. فالقسمة أدتو بت عبد الخالق. ولكن الشايقيات “أتاريهن متكربات دايرات ياخدنه. قالن ابداً ما بنخليه يمشي وبناخدو وكده”. وبلغ نبأ الشايقيات قريب الطالب المسمي خليفة الجامعابي وخاف أن يبني بأحداهن ينقطع عن البلد. فسافر إلى الشايقية وأركبه حصاناً وجاء به ليفتح خلوة والده. أها الشايقيات ديك متجرسات علي محمد الذي نزعه خليفة عنهن. فغنين:
يا محمد بعرفك
جيت هديمك فوق كتفك
أبقى سريوته (حدأة) واختفك
يا أب إهيلاً في العابداب
يا أب خشيماً ما نقناق
يا خليفة الكشه تبراك
وتتحول عينك في قفاك
ليه تسوق المريود معاك
يا خليفة الفي السافل
إن ما صديت تموت كافر
لم يأتني خليفة في مدينة كولمبيا الأمريكية بولاية ميسوري يستنقذني من بنات الأمريكيين المتشبثات بي. ولم أسمع من غنت لي. ربما حدث. فقط أنني لم أسمع. يار ب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم