جيش جديد “لنج”.. لا جيش مضروب “بنج”

القادة الملهمون يطلقون كلمات بسيطة لكنها تصبح رائجة ومعبرة، لقد قالها الرئيس في لقاءه بالجالية السودانية بالعاصمة الأوغندية كمبالا قبل أسابيع، أن البرهان ومجموعته رفضوا الاتفاق الإطار الذي تناول موضوع الدمج فقط، ولم يتناول التفكيك الهيكلي، وأكد على أن الزمن تجاوز مسألة ترميم الجيش إلى وجوب تأسيس جيش جديد (لنج)، بهذه العبارة البسيطة العميقة، فعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فاته أمر عاتب القدر، كما قال الشاعر، وإذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإنّ فساد الرأي أن تترددا، كما قال آخر، وأنا أعضد طرح الرئيس وأزيد، جيش جديد لنج لا جيش مضروب بنج، لأن كل عمليات إضافة المساحيق لوجه هذا الجيش الذي يصوب بنقديته باتجاه صدر الشعب منذ مائة عام، لا تجدي فتيلا، فهي لا تعدو عن كونها عمليات تخدير شعبوية تخدع بعض العامة، وتوحي لهم بـأن تحديثاً جوهرياً قد طرأ على المؤسسة التي عشقوا موسيقاها المحفزة للانخراط في سلك الجندية، لكن في واقع الأمر لم يحدث أمر ذو بال، فقط تغيير لجلد الأفعى المرتهنة لأجندة المحور الإيراني، وطال الزمن أم قصر سيصحو المخدرون من أثر الهالوسين، ليجدوا أنفسهم تحت قصف السوخوي المنطلقة من قاعدة وادي سيدنا، وبين ركام براميل الأنتونوف التي يقودها نفس الطيار الذي يأتمر بأمر قائد الجيش الجديد المنتمي لقبائل الجبال، التي دمرت قراها هذه الطائرة الروسية النحس، التي حين يسمع أطفال الجبال أزيزها يهرعون إلى الخنادق البرميلية كهروب الصيصان من النسر الخاطف.
البرهان لا يستطيع التغريد خارج سرب الكيزان في نسختهم الأخيرة – نسخة ما بعد الحرب، فكما فقد فلذة كبده في ظروف مماثلة ليس مستبعداً أن يفقد الرويحة (تصغير كلمة روح بالدارجة)، فاللعب على رؤوس أفاعي التنظيم الأشهر في المسلك الدموي غير وارد، ومن يصدق مثل هذه الروايات والتحليلات من السذاجة بمكان، فالانضواء تحت ألوية تنظيمات عقدية مثل الحركة الإسلامية السودانية وحزب الله اللبناني وحركة حماس الغزاوية وجماعة ولاية الفقيه الخمينية، ليس ترفاً، هذه الكتل العقائدية لا يرتعد لها جفن لو رأت الخلاص من المُريد أمر ضروري، مهما علا الترتيب الهرمي لهذا المريد، لذا ومن هذا الباب يجب على الحريصين على مصلحة السودان أن لا ينخدعوا لألاعيب جماعة الإسلام السياسي المتضامنة مع المشاريع القطرية، فهي وامتداداتها التنظيمية الإقليمية والعالمية لن تستجيب لمساعي إحلال السلام بالدول التي توجد بها مهما كلفها ذلك من ثمن، حتى لو كان هذا الثمن فناءها عن آخرها، وجميعنا شاهد هذه المعادلة الصفرية التدميرية في قطاع غزة ولبنان وأخيراً في إيران، لكل هذا وذاك على القوى المدنية والسياسية السودانية أن تعلم، بأن البرهان ليس هو الرجل الأنسب للعب أي دور يجعل منه رمز وطني يتمتع بالثقة والمسؤولية المطلوبة لإنجاز مشروع وقف الحرب وإحلال السلام، وكل ما يفعله ما هو إلا خطو للحافر بالحافر على طريق المنظمات الإرهابية بالشرق الأوسط، لذا لزم تنبيه الفاعلين في مشروع سلام السودان لمعرفة وجه هذه الحقيقة الصارخة.
الحل في البل، ذات الشعار الذي رفعه البرهان وجوقته في وجه الشعب السوداني، الشعار الذي يعني الحسم العسكري باللغة الدارجة، ومن يظن أن التنظيم الإرهابي سيذعن لعصا أمريكا بهذه السهولة فهو واهم، هذا التنظيم وكما أسلفنا معادلته صفرية في هذا الصراع، ولا يبالي بمصير البلاد كما فعل قبل ثلاث سنوات، فإما أن يبقى على مفاصل السلطة او ترق كل الدماء، قالها بكل وضوح وبلا مواربة، لن نترك (المليشيا) حتى لفظة آخر نفس لآخر جندي، ومضى في قسمه هذا إلى أن وصل أعماق كردفان، وهو بذلك قد (بر) بقسمه أمام مؤيديه، تبقى فقط الوصول لأم دافوق المحطة الحدودية بين السودان وجهورية افريقيا الوسطى، عليه، ليس من الحصافة أن يأخذ الثوار الأمر بالهزل، وعليهم استخدام الدواء عينه (البل)، الذي بغيره لن يتحقق الخلاص، وليس أدل على ما ذهبنا إليه غير تحول نهج البرهان الحربي نحو استهداف المستشفيات وقيادات الدولة الوليدة، الشهيد أسامة مثالاً، فهذه العصابة الإرهابية من اللؤم بما يمكنها اتخاذ كل الوسائل غير الأخلاقية في حربها ضد مشروع التأسيس الجديد “لنج”، بناء على ذلك عليك يا أيها الثائر التأسيسي الإيمان بآلية (البل) في التصدي للإرهاب المحلي المدعوم من المحور الإقليمي، ولا يفل الحديد إلّا الحديد، فلا تستكن ولا تهن أمام السيل الجارف من المسيرات المستهدفة للمستشفيات والقادة، ولا تتخذ من نظرية المسيح ديدن لك بأن تسمح لمن صفع خدك الأيسر أن يصفع الأيمن، وخذ الكتاب بقوة كما أخذه سيدنا يحي عليه السلام.

إسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com

عن اسماعيل عبدالله

اسماعيل عبدالله

شاهد أيضاً

الشرق الأوسط الجديد ونهاية الدولة المذهبية

النفوذ الإيراني بالمنطقة لن يكون بنفس القوة التي كانت في الماضي، فالحرب ستكون نتائجها مثل …