جِنيفْ: هَلْ تَكْسِر حَلَقَةْ الانْهِيَار السُوْدَانِي؟
Can Geneve Break Sudan’s Spiral of Collapse?
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
- السودان على حافة الانهيار الشامل
يقف السودان اليوم على شفا الانهيار الكامل. فبعد أكثر من عامين من الحرب المدمرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم يتبقَّ من مؤسسات الدولة سوى أطلال. ملايين النازحين يفرون من مناطق القتال، المجاعة تهدد شمالاً وغرباً، والمشهد العام أقرب إلى “صفر حكومة وصفر دولة”. الخرطوم، قلب السياسة والتجارة يوماً، صارت مدينة أشباح؛ المستشفيات والمدارس مغلقة، الوزارات أطلال بلا عمل، والسلطة موزعة بين فصائل مسلحة بلا مساءلة. في بورتسودان يحاول الفريق البرهان التمسك بشرعية دولية هشة لا سند لها في الداخل، بينما يثري قادة الدعم السريع أنفسهم بتهريب الذهب من دارفور وكردفان.
في هذا الوضع الكارثي، تبرز محادثات جنيف بين البرهان والمبعوث الأميركي مُسعد بولس كفرصة أخيرة. لكن نجاحها مشروط بتجنب أخطاء جدة ولندن وواشنطن، حيث فشلت المبادرات السابقة إما لانحصارها في صفقات قصيرة المدى بين طرفي الحرب أو لتهميشها القوى المدنية. - التمويل المحايد: إنقاذ الأرواح قبل السياسة
يمثل أحد أهم أسباب استمرار الحرب اعتمادها على اقتصاد الظل الطفيلي. فالجيش يحوّل عائدات الموانئ إلى حسابات عسكرية، والدعم السريع يحتكر الذهب ويهرب مليارات سنوياً، بينما يواجه المواطن انعدام الرواتب، ومستشفيات مغلقة، وفصول دراسية خاوية، وتضخماً تجاوز 400%.
الحل يبدأ بإنشاء صندوق محايد لإعادة الإعمار والخدمات، تديره مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. بحيث يتجاوز هذا الصندوق قبضة المتحاربين ويوجه موارده مباشرة لدفع رواتب المعلمين والأطباء والموظفين العموميين، وتقديم تحويلات نقدية للأسر الضعيفة، وتأهيل شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات. ذلك أن التمويل المحايد ليس مسألة تقنية فقط، بل رسالة واضحة: حماية المدنيين لا ينبغي أن تكون رهينة موافقة أمراء الحرب. - صوت المدنيين: الشرعية لا تُفْرَض بالبندقية
يستند السير قدماً على معادلة بسيطة: المال المحايد ينقذ الأرواح، لكن المشاركة المدنية هي التي تمنح أي اتفاق شرعية دائمة. فقد أثبتت التجارب أن حصر التفاوض بين الجيش والدعم السريع لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة. فهما طرفان بلا تفويض دستوري، يستندان إلى القوة التي تحقق مآربهما، لا إلى الإجماع الذي يجردهم منها.
فالمطلوب إذن إشراك قوى مدنية مستقلة تتمثل في: مؤسسات الفكر ومراكز التميز الوطنية، والنقابات المهنية، واتحادات النساء، وشخصيات ذات مصداقية مجتمعية. وهؤلاء لا يأتون للتفاوض حول حصص سياسية، بل لضمان أن تكون عملية السلام إنسانية ومهنية ومتصلة باحتياجات المجتمع السوداني. كما أن وجودهم في آليات المراقبة والانتقال يقلل من قدرة أمراء الحرب على احتكار النتائج.
وهنا يمكن أن تلعب جنيف دوراً مختلفاً بانتهاج مسار مدني موازٍ لمسار وقف إطلاق النار، يُغذّي المفاوضات بالخبرة والشرعية المجتمعية، ويمهّد لتحول السودان من منطق القوة إلى شرعية التوافق. - الاصطفاف الإقليمي: كسر “الفيتو العكسي”
لا يمكن فصل الحرب السودانية عن مثلث النفوذ الإقليمي المكون من مصر والإمارات والسعودية: فمصر تدعم الجيش، والإمارات تموّل الدعم السريع، والسعودية تحاول التوازن من دون ضغط حاسم. وهذا ما أسميه “الفيتو العكسي”، حيث يمنع كل طرف حلاً لا يخدم مصالحه ولو وقفت وراء هذا الحل قوى عظمى مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهو ما أطال أمد الصراع.
ولكي تنجح جنيف، لا بد من بناء منصة عربية-أفريقية مشتركة تضم مصر والإمارات والسعودية بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي والإيقاد. ويمكن ربط المصالح المشروعة لهذه الدول باستقرار السودان القادر على رعاية مصالحه الخاصة.
• مصر عبر ضمانات ملزمة حول أمن النيل والحدود.
• الإمارات عبر وصول منظم وشفاف إلى الذهب والموانئ.
• السعودية عبر ترسيخ هندستها الأمنية في البحر الأحمر ضمن سودان حر ومستقر.
وعليه فإن ربط هذه الحوافز ببرامج الاستثمار والإعفاء من الديون وأمن الغذاء الإقليمي يحوّل التنافس إلى مصلحة مشتركة، ويفتح نافذة لحل سياسي حقيقي يراعى فيه تحقيق المصالح المشتركة. - جنيف – النافذة الأخيرة؟
لقد فشلت لندن وواشنطن بسبب انتقائيتهما وصفقاتهما المؤقتة، وفشلت جدة لأنها همشت المدنيين. لكن جنيف لا تحتمل الفشل، فالسودان اليوم لم يعد أزمة محلية؛ إنه تهديد عالمي. شبكات الإرهاب تنشط في فراغ السلطة، والمهربون يعبرون بالمهاجرين نحو البحر الأحمر والمتوسط، و13 مليون نازح يضغطون على دول الجوار منهكة الاقتصاد.
إن نجاح جنيف مرهون بإجابات واضحة: هل يستطيع المجتمع الدولي التعامل مع السودان كأكثر من ورقة مساومة؟ هل يمكن إنشاء آلية تمويل محايد تنقذ الخدمات العامة؟ هل يمكن إشراك المدنيين بصدق لضمان الشرعية والملكية المحلية؟ وهل يمكن كسر “الفيتو العكسي” الإقليمي عبر منصة تعاون عربي-إفريقي جديدة؟
إن فشلت جنيف وأعادت إنتاج صفقات القوة، فسينزلق السودان أكثر نحو الهشاشة والفشل واللادولة، ناشراً المجاعة والتطرف وعدم الاستقرار خارج حدوده. أما إن نجحت جنيف، فهي قد تمنح السودان الممزق فرصة لوقف الانهيار وفتح الطريق أمام بناء دولة جديدة تستند إلى الشرعية لا إلى البندقية.
جنيف، باختصار، هي النافذة الأخيرة. إما أن تُنقذ السودان، أو تتركه يتحول إلى مصدر دائم للأزمات الإنسانية والأمنية في أفريقيا والعالم العربي وما بعدهما.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم