من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
حاجز الثمانين: حين تصبح الشيخوخة فناً للحياة
قراءة هادئة في كتاب هيديكي وادا
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
إهداء
إلى من بلغوا من العمر عتِيًّا،
إلى من عبروا مسافات طويلة في هذه الحياة،
وإلى من لم تعد الأيام عندهم سباقًا، بل تأمّلًا…
نهدي هذا المقال.
مقدمة:
لماذا أثار هذا الكتاب كل هذه الضجة؟
حين يتجاوز كتاب نصف مليون نسخة في أسابيع في مجتمع قارئ ومنضبط كاليابان، فذلك لا يحدث صدفة.
كتاب «حاجز الثمانين» لا يقدّم وصفات طبية، ولا شعارات تحفيزية، بل يفعل ما هو أندر:
يعيد تعريف الشيخوخة من كونها عبئًا يجب مقاومته، إلى مرحلة حياة ينبغي فهمها والعيش معها بسلام.
الدكتور هيديكي وادا، عالم النفس المتخصص في صحة كبار السن،
لا يكتب من برجٍ أكاديمي،
بل من تجربة سريرية ومعايشة إنسانية طويلة.
واللافت أن خطابه ليس موجّهًا للأطباء بقدر ما هو موجّه للإنسان العادي الذي يسأل:
كيف أعيش ما تبقى من عمري بهدوء وكرامة؟
أولًا:
فكرة الكتاب…
البساطة بوصفها علاجًا
الركيزة الأساسية للكتاب هي أن:
التعقيد المفرط في التعامل مع التقدم في العمر هو أحد أسباب الشقاء، لا الشيخوخة
نفسها.
القواعد الـ44 التي يعرضها وادا ليست أوامر صارمة،
بل اقتراحات للحياة.
وهي تنطلق من مبدأ واضح:
الجسد لا يحتاج قسوة
النفس لا تحتاج إنكارًا
والعقل لا يحتاج خوفًا دائمًا من المستقبل
ثانيًا:
الجسد… لا تُرهقه باسم الصحة
يخالف وادا كثيرًا من الخطاب الطبي الشائع، حين يقول — ضمنيًا — إن:
الإفراط في الأدوية ليس صحة
الهوس بالأرقام (ضغط، سكر) ليس طمأنينة
ومحاولة استعادة جسد العشرينات وهمٌ مُكلف
الدعوة هنا ليست للإهمال، بل لـالعقلانية الرحيمة:
تحرّك، لكن لا تُعذّب نفسك
كل، لكن لا تعاقب نفسك
اقبل المرض حين لا مفر، وتعايش معه بكرامة
وهذه رؤية ناضجة، خصوصًا في مجتمعات باتت ترى الشيخوخة مرضًا يجب “إخفاؤه”.
ثالثًا:
النفس… الوحدة ليست دائمًا عزلة
من أعمق أفكار الكتاب:
الوحدة قد تكون سلامًا، لا عزلة.
في مرحلة عمرية تقلّ فيها العلاقات، ويخفت الضجيج الاجتماعي، لا يرى وادا في ذلك خسارة بالضرورة، بل فرصة:
للهدوء
لإعادة ترتيب الداخل
للتخفف من العلاقات المرهقة
ليس المطلوب كثرة الناس، بل صدق الحضور.
رابعًا:
العقل… التعلّم أو الذبول
يركّز وادا على فكرة محورية:
الذاكرة لا تضعف بالعمر، بل بالإهمال.
التوقف عن الفضول، عن التعلم، عن التفكير…
هو ما يصنع الشيخوخة الحقيقية، لا عدد السنوات.
ومن هنا، تصبح القراءة، الحوار، حتى تغيير الرأي، علامات حياة لا علامات ضعف.
خامسًا:
الفلسفة الكامنة خلف القواعد
لو جرّدنا الكتاب من تفاصيله، لوجدنا خلفه فلسفة واضحة:
تقبّل بدلاً من مقاومة
توازن بدلاً من تطرف
حياة تُعاش، لا تُدار كملف طبي
هذه الفلسفة تنسجم مع الروح اليابانية في:
احترام الزمن
التصالح مع الفناء
تقدير البساطة
لكنها في الوقت ذاته عالمية وصالحة لكل الثقافات.
خاتمة:
رأي من منبر بنيان
هذا الكتاب ليس ثوريًا في أفكاره، لكنه ثوري في نبرته.
قيمته لا تكمن في جديدٍ علمي صادم، بل في إعادة ترتيب العلاقة مع العمر.
نعم، قد يؤخذ عليه:
تبسيط بعض القضايا الصحية المعقدة
تعميم تجارب قد لا تناسب كل البيئات
لكن فضله الكبير أنه:
أعاد الطمأنينة إلى موضوع صار مخيفًا أكثر مما ينبغي.
«حاجز الثمانين» كتاب لا يُقرأ على عجل،
ولا يُستفاد منه دفعة واحدة،
بل يُؤنس القارئ، خاصة من “أدركه العمر”، ويقول له بهدوء:
ما زالت الحياة هنا… فقط غيّرت إيقاعها.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم