بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
اتخاذ البرهان القصر الجمهوري خلفية لخطابه في مناسبة الاستقلال ينهض شاهدا لإدانته . فالكاميرا التلفزيونية استحت عن تأطير مشهد القصر المدمر. فبينما حاول الاتكاء على التاريخ كشفت الكاميرا البون الزمكاني الشاسع بين ظهور البرهان ومشهدي ١٨٨٥ و١٩٥٦ كما أشار . المشهدان الراسخان في الذاكرة التاريخية تضجان بالزخم الوطني .في الأول اقتحام أنصار المهدي مقر رأس الاستعمار البريطاني . في الثاني مشاركة كل أقطاب حراك و الحركة الوطنية في رفع علم الاستقلال .لقطة البرهان تفضح الاهتراء الوطني . هو وحيد أمام جانب من القصر المدمر . لقطة خالية من الجسارة في مشهد ١٨٨٥ ومن الاصطفاف في ١٩٥٦ . عودة الجنرال إلى القصر تدينه مقارنة مع رجال آثروا الموت داخل القصر دفاعاً عن النظام و الديمقراطية كما فعل التشيلي سلفادور الليندي في ١٩٧٣. وهو طبيب وليس جنرالا . لقطة البرهان مرافعة تدينه إذ وعدنا بنصر قريب على (التمرد) على نقيض حديث المعارك على الأرض .مرافعة البرهان تندرج ضمن جهود ترويج الحرب واقعًا سودانيا والسلام محطات استثنائية
بل لا خاتمة وشيكة للكارثة في ظل حالة الانهاك العام على جبهات الاقتتال العسكري والمدني . لانهاية تبدو لعمليات التقتيل والتدمير الحمقاء . فما من طرف يملك زمام الحسم . أخطر من ذلك قناعة البرهان وعصبته والطرف الآخر بمغادرة التاريخ حال خروجه مهزوما . لذلك يتمسّك الطرفان ب ( النصر أو الفناء) . على الربوة المدنية تعاني القوى السياسية التشقق حد العجز . هي أحوج من كل مامضى إلى توسيع دائرة الرؤى الوطنية على نحو أكثر صفاءاً و أشد صرامة . هي مطالبة بمغادرة التخندق في جزرها الانعزالية ونبذ ثقافة السياسة الاستهلاكية، خطابها المبثوث يعج بالهجاء و التوصيف المبتسر . نادرة نداءات بناء جسور الحوار و فتح أبواب البدائل الواعدة . هذه الثقافة فرّخت انتشار باعة الوجبات الجاهزة في السوق السياسية والإعلامية. لأن هؤلاء مزودون بالوعي الزائف و التدني الأخلاقي صاروا يزعمون امتلاك مفاتيح الحقيقة حد تحقير الرأي الآخر . يا للمفارقة ، كما في الميدان العسكري أمست القلة تغلب الكثرة .
في ظل هذا البؤس البئيس تراهن أطراف الاقتتال على اسنادات خارجية بغية تحقيق الانتصار أكثر من الاستناد إلى قواها الداخلية . في قعودها تنتظر القوى السياسية كذلك هبوط السلام من الفضاء مع رياح خارجية . بالإضافة إلى كشف خمول كل الأطراف الفاضح فإن هذا الرهان الخائب يعري عجز ها الفكري . ربما في الرؤية العسكريه شيء من الاستراتيجية الضحلة .لكن القوى السياسية تفتقر إلى التفكير المنهجي والتخطيط والبرمجة . هي لا تملك أدوات الفرز بين الحقائق والاراء مما جعلها تتأرجح بين التبسيط و التطرف وتغليب مقاربة المؤامرة . في هذا الارتباك فهي تجنح إلى الانشغال بالنقد وتضخيم بعض المظاهر السلبية لكنها لا تصنع آليات الخلاص . صحيح تراكمت عناصر عديدة على القوى السياسية اسياس أدت إلى هزالها .من ذلك التجريف الممنهج من قبل نظام الإنقاذ بما في ذلك الطبقة الوسطى ذات الفعالية النافذة في الحراك السياسي والمجتمعي.لكن الأزمات تصنع قادة ومواقف كذلك.
لهذا تبدو فرص التوغل في الخراب أوسع من سبل مغادرته . فالرهان على الخارج يزيد عمر ومساحة التقتيل والتدمير على إيقاع حركات المتناحرين بالنار. أكثر من ذلك إضرارا فان هذا الرهان يزيد تعقيد الأزمة محور الاقتتال . هذه احدى خلاصات دروس كتاب تاريخ الحروب الأهلية المفتوح على الكرة الأرضية . فالأيادي الخارجية تتحرك ،تساند و تعاند وفق مصالحها .بالضرورة تتقاطع مع مصالح أطراف خارجية ظهير المقاتل المقابل. وقتئذٍ تستفحل الأزمة الوطنية إذ يصبح الخارج هو الفاعل الرئيسي فيها .على قدر الاسناد الخارجي العسكري أو السياسي يكون الارتهان الداخلي. هكذا تكون نهاية الحرب – حينما تأتي -صفقة بين أطراف الخارج . اطفاء نار الحرب هو أقصى نصيب الشعب من تلك الصفقة .تلك التسوية لا تستهدف بالضرورة تكريس السلم الأهلي . .هذه ايضا في خلاصات ذلك الكتاب الكوني.
ربما جاء وعد البرهان بنهاية الحرب مقنعاً فيما لو كشف عن جانب مما يعزز زعمه من نتائج رحلاته الخاطفة الأخيرة إلى عدد من العواصم. مع أنه قال في مرافعته الخاطفة كذلك (لن ينتصر كل من جرى وراء سراب الدول ). هي مرافعة تدينه و لا تكسبه ثقة أو أنصارا . البرهان اتكأ في مشهد إدانته التلفزيوني على القصر في مشهدي ٨٥ و٥٦ . هما مشهدان يصلحان لاستلهامها خلفية وطنية لصناعة المستقبل بألايدي السودانية ليس اتخاذ مسرحهما -القصر – خلفية تلفزيونية . رغم أنه لم يدافع عنه وقت الشدة . في مرافعة إدانته قال البرهان (نحن مع الشعب وثورته في سبيل تحقيق تطلعاته) بينما القصر شاهد على انقلابه على تطلعات الشعب في تكريس الحياة الديمقراطية . هو يدين نفسه حين قال (نحي القوى السياسيةالمؤمنة بقضية الوطن) هذا تزوير فاضح فهو يخاطب القوى المساندة لاستمرار الحرب . كل مافعله يناقض منطلقات وتوجهات تلك القوى المؤمنة بقضية الوطن . و أي قصية للوطن حاليًا غير السلام ؟ هو يلوي عنق الواقع اذ يقول (سنعمل جاهدين لنؤسس دولة المواطنة ونحقق الحرية والسلام ).
لعل مشهد البرهان التلفزيوني وما انطوى عليه من ادانة ذاتية يستدعي استلهام شعار الفريق عبود (احكموا علينا بأعمالنا) مع إضافة البرهان …. و أقوالنا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم