د. أحمد التيجاني سيد أحمد روما – إيطاليا
٨ فبراير٢٠٢٦
المقدمة
كنت انشر في عدد من المنصات المألوفة لدي، ولم اعرف ان لتأسيس منصة خاصة بها.و عندما دعاني لنشر مقالاتي في التنوير .لم يأخذني الكثير من الوقت لأتساءل: من هو هذا الناشر؟. من هو أ. نجم الدين دريسة ؟ و عندما بدات في بعث مقالاتي؟ اقتنعت بالمسلمات؛ وًهو من انشط الناشرون! عشرات من ساعات العمل اليومي، والذكاء في عرض صورته. تقول الصورة: هأنذا غارق حتى الركب فيما أعمل. أختار ما أشاء، وحيث أشاء، ومتى ما شئت. وتقول الصورة أيضًا: يمكنني القفز أو الانبطاح والنوم وأنا أكتب.
كيف يفكر وهو يلعب مع أطفاله الصغار؟ أسمع ضجيجهم متى ما اتصلت به. يحتفظ دائمًا بهدوئه، ونقاء تفكيره، وحسن معاملته. حتى الآن لم نتقابل وجهًا لوجه في اجتماع مطول، لكنني أعرف بالضبط ماذا سأرى، لأنني أعتقد بأنني أعرف عنه أشياء… وأشياء. فهو من «الغرابة» الذين وضعتهم «الجلابة» تحت المقصلة. أتعجب! لم تكن بيننا في جامعة الخرطوم مثل هذه المعاملة.
كان أصدقائي في الجامعة من لقاوة، وأم دقايق، والضعين، والنهود،. أحدهم، من ام روابة، اختطفه مني الموت أمسية عودتي من سنجة لأحتفل بتخرّجه من كلية الطب؛ دهسته سيارة وقضت بذلك أحلام أسرته. وصديقي الدائم، صديق الحوامة وارتِياد المسارح والسينما، كان الغرابي أيضًا، الفيلسوف النور عوض النور، ساكن أم درمان، يجمع الجمل والكلمات والحِكم من لافتات الشوارع وأعمدة النور في الخرطوم وأم درمان وبحري.
لم أجد فرقًا بين ما جمعه من لافتات شوارع العاصمة، وبين ما كنت أقرأه وأنا أسير على قدميّ من مكتبة الفاتح النور في الأبيض إلى منزل زوجة أبي البقارية، التي لم يشفع لها أن والدها نوبي من قريتنا عبكنارتي، القرية الغارقة تحت ستون مترًا من مياه السد العالي، والتي تقهقر اسمها حضاريًا إلى رقم «القرية ١٥» في فيافي البطانة.
كنت اقضي في هذه القرية الرقمية عطلاتي الجامعية اشارك في حملات القضاء علي الفيران و زراعة الموز و الرمان و كل انواع الخضروات المستورده في حديقة (ماكشفت Makeshift) أقمتها في بيتنا المجاور الخاوي.
لكنني تركت السودان طالبا للعلم ومهاجرًا في منتصف السبعينات. لم أستطع التنفّس. غلب عليّ مرض الربو كلما تذكرت مقدار إجرام حسن الترابي وسرقته لثورتنا عام ١٩٦٤. نعم سرقها ونصب نفسه أيقونة الثورة بعد ان قفز علي ظهر الكومر الذي حمل رفاه الشهيد احمد القرشي طه الي مثواه الاخير في مقابر قرية “القراضة” الواقعة في ولاية النيل الأبيض بالقرب من المناقل، و لقد قتل القرشي برصاص الجيش ابان احداث جامعة الخرطوم و اصبح رمزا للانتفاضة الشعبية .لم احتمل العيش مع جهل عضو مجلس قيادةً ثورةً نميري الزين محمد احمد عبّد القادر ( الزين كو) ؛ و مرتادوا احياء البغايا النميري ورفقته من اعضاء الحزب الشيوعي و الجبهة الإسلامية التي تحولا الي الاتحاد الاشتراكي فيما بعد. و لا انسي زميلي في داخلية بحر العرب سام اليوغندي و هو يحتفل بإفراغ جيوبه عندما تصله المنحة الشهرية منً والده الثري ، قبل ان يمضي في طواف الاستدانة و الشحادة و منافسة نميري و رهطه في النط فوق مجاري المياه خلف شارع مستشفي الخرطوم التي صارت مرتعا للحيوانات المنوية . كذلك لم يفارق مخيلتي ذلك الزميل الصامت الذي لم نسمع له صوتا إلا في العصرية التي قطع وقتها (عضوه التناسلي) بسكين سرقه من قاعة الطعام! اخذوه للمستشفي و هو يصرخ . كنت ضجرا حتي انني لم اهتمّ بالواقعة اطلاقاً و لم اعرف ما حاق به بنصف عضو تناسلي اوبدونه .لم أحتمل العيش مع دولة تتبدّل وجوهها ويبقى منطقها واحدًا.فهاجرت الي كلفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية .
ا. نجم الدينًً دريسة الناشر… قبل الكاتب
ينتمي نجم الدين دريسة إلى جيلٍ لم أره حتى اجتمعنا في كمبالا وأديس أبابا ونيروبي، ونحن نخط بالقلم ووجع المصارين تحالف ودستور التأسيس. من هنا أكتب عنه الآن.
قبل أن أقرأ للأستاذ دريسة ككاتب مقالات، عرفته كناشر. والناشر في هذه المرحلة ليس موظفًا خلف شاشة، بل جزء من معركة الوعي نفسها. يدير التنوير بانتظام يومي، بصبر، وبلا ضجيج، وبفصلٍ واضح بين النشر والقراءة. يفتح المنصة، ينشر، ثم يقرأ بعد ذلك مثل الجميع. هذا السلوك وحده يشرح كثيرًا من ملامح كتابته.في بلد اعتادت ان تكون المنصات ادوات تعبئه او اصطفاف ، يختار دريسة موقعا أصعب : مساحة تسمح بالاختلاف دون تحويله الي فوضي ، و بالنقد دون ان يكون تصفية حسابات .
لماذا أكتب عنه الآن؟
أكتب عنه الآن لأن مساره ككاتب وناشر صار مكتمل الملامح. بين ديسمبر ٢٠٢٥ وفبراير ٢٠٢٦، تراكبت نصوصه مع إيقاع منصته. صار ممكنًا قراءة خيطٍ واحد: كيف تُدار اللغة في زمن الحرب، وكيف يُبنى فضاء للنقاش دون أن يتحول إلى دعاية أو حياد فارغ.
تحليل المقالات الأربعة
إخترت عشوائيا بين ١٥ ديسمبر ٢٠٢٤ و ٨ فبراير ٢٠٢٦ اربعة مقالات متفرقة .
(١) ازدواجية المعايير في قراءة الحرب
كتب دريسة هذا المقال لا لأنه لا يرى التعقيد، بل لأنه يراه جيدًا جدًا، لكنه يختار زاوية آمنة نسبيًا. كتب المقال بوصفه منصة ضبط أخلاقي لا موقفًا تاريخيًا. هنا يظهر حذر الكاتب بوضوح: الخوف من السقوط في الاستقطاب يقوده الي أخلاقنا القراءة ، و هو اختيار مفهومً لكنه يحمل خطر تحييد التاريخ نفسه.
(٢) السلطة أولًا… ثم الوطن لاحقًا؟
ينتقل إلى السياسة بسؤال مشروع، لكنه يفترض تعارضًا بنيويًا بين السلطة والوطن، ويتردد في طرح السلطة كأداة انتقالية لكسر دورة العنف.هذا التردد يعكس أزمة اوسع في الثقافة السياسية السودانية : الخوف من السلطة حتي تكون ضرورة انتقالية.
(٣) أزمة العقل المؤسسي في تحالف تأسيس
يبلغ النقد ذروته اللغوية، لكنه يُسقط معايير الدولة المستقرة على مشروع يولد تحت النار. هنا يكمن الخطر الحقيقي . محاسبة مشروع تأسيسي بمعايير لم تتحقق بعد، بدل النظر اليه كعملية تشكل.
(٤) سلطة بورتسودان: دولة تُدار بالكذب…
في هذا المقال يقترب أكثر من تسمية الواقع. الكذب هنا ليس خللًا بل أداة حكم.هذا النص هو الأكثر تماسكا مع جوهر الدولة العنيفة، حيث تصبح الأكذوبة سياسة، و الادارة غطاء للقهر.
الخاتمة
هذا المقال لا ينقض مشروع دريسة، بل يضعه في سياقه. هو قراءة لمسار كاتب وناشر اختار الحذر المنهجي في زمن يتكاثر فيه الصراخ. لكن لحظة التاسيس تتطلب اكثر من الحذر: تتطلب وعيا بخطر إعادة انتاج السلوك العنيف، حتي داخل المشاريع التي ترفع شعار القطيعة مع الماضي
المراجع
دريسة، نجم الدين. ازدواجية المعايير في قراءة الحرب. التنوير.
دريسة، نجم الدين. السلطة أولًا… ثم الوطن لاحقًا؟ التنوير.
دريسة، نجم الدين. أزمة العقل المؤسسي في تحالف تأسيس. التنوير.
دريسة، نجم الدين. سلطة بورتسودان: دولة تُدار بالكذب… التنوير، ٨ فبراير ٢٠٢٦.
عضو قيادي موسس في التاسيس
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم