“حبال الدولارات” بين نيل دي غراس تايسون وإيلون ماسك

بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان
سخِر عالم الفيزياء الفلكية، وأحد أشهر مقدمي البرامج العلمية في العالم، نيل دي غراس تايسون، من إيلون ماسك، الملياردير (ترليونير؟) الأشهر لثرائه الفاحش. وقال إنه لو خِيطت أوراق الدولارات التي يملكها ماسك وصُنِع منها حبلٌ، فسوف يكون ذلك الحبل من الطول بحيث يكفي ليلتفَّ حول الأرض ثلاث مرات، ثم يصعد ما بقي منه مبتعداً عن الأرض إلى أن يصل إلى القمر.
حقًا، إنه لحبل طويل جدًا ذلك الذي يملكه ماسك!
غير أنّ السيد تايسون أيضاً يملك حبلاً طويلاً من الدولارات – وإنْ كان لا يدري – يضارع في الطول حبل إيلون ماسك!
السيد تايسون ضليع في الرياضيات، ويمكننا أن نثق في حساباته.
ولكنه، ويا للمفارقة، قد أجاد الحسبة لإيلون ماسك ونسي نفسه. فهو أيضاً يملك حبلاً مماثلاً. فحين انتقد أيلون ماسك ساخرًا من ثرائه، البالغ أكثر من 300 مليار دولار، تجاهل ثروته هو، البالغة أكثر من خمسة ملايين دولار.
لا شك أنه يرى ما عنده قليلاً، مقارنةً بماسك.
ولكن ما عنده كثير جداً، مقارنة بالفقراء حول العالم.
لقد نسي وريثُ انشتاين وهوكنغ أن يطبّق نظرية النسبية حيثُ كان ينبغي له أن يطبقها على نفسه.
فهو، بملايينه الخمسة، يملك كذلك حبلاً طويلاً جداً، مقارنةً بالفقراء الذين لا يجدون دولارين يسدون بهما رمقهم في اليوم.
وباستخدام نفس الحسبة التي لجأ إليها في حساب “حبل ماسك”، سنجد أن ما يملكه من الدولارات يمكن أن يصنع حبلًا يبلغ طوله حوالي 780 كيلومترًا (حوالي 484 ميلًا) – أي ما يقارب المسافة من مدينة نيويورك إلى كليفلاند.
وبتطبيق نظرية النسبية، سنلاحظ أن الفقراء ربما لا يرون فرقاً مهماً في الطول بين حبل ماسك وحبل تايسون. فكلا الحبلين يغوص عميقاً في الأفق، بعيداً عن أنظارهم، متجاوزاً حدود الغلاف الجوي للأرض، ليسبح في الفضاء الفسيح حيث لا يمكن للعين المجردة أن تبصره.
وبتطبيق نظرية النسبية أيضاً، نجد أن السيد تايسون ينتمي في الحقيقة إلى نفس فئة المليونيرات والمليارديرات التي ينتمي إليها السيد ماسك. وهذه شريحة بالغة الضآلة من حيث الحجم، مقارنة ببقية البشر، بل تكاد تكون مجهرية (0.7%)، ولكنها تضم أصحاب الامتيازات الذين يملكون نصف ثروات كوكب الأرض. ويتقاسم بقية البشر، أي 99,3%، النصف الباقي.
فإذا كان السيدان تايسون وماسك ينتميان إلى فئة النجوم في الفلك، فإن فقراء العالم ليسوا كواكب، ولا كواكب قزمة، ولا كوكيبات، وليسوا شهباً ولا نيازك… إنهم مجرد غبار كوني (Cosmic Dust).
وإذا كان أصحاب الملايين والمليارات، من حيث الظهور في الإعلام، نجوماً تلمع في الفضاء الفسيح ويعجب بها الناس، فإنهم، من ناحية العطاء، ثقوبٌ سوداء لا يراها أحد.
ومعروف أن الثقب الأسود لا يترك شيئاً يفلت منه، حتى الضوء، ولذلك لا نراه.
تكبر الملايين وتتحول إلى مليارات، كما تتحول النجوم إلى ثقوب سوداء تبتلع كل شيء.
وحين يتعلق الأمر بالظهور والفرجة، نرى أصحاب الملايين نجوماً لامعة؛
لكن حين يتعلق الأمر بالعطاء، تتحول نجومهم إلى ثقوب سوداء.
أما ما يزيد عن 99% من البشر فإنهم “غبار كوني”.
وللسخرية، رغم صِغَر شأن الغبار الكوني، إلا أنه هو الذي تنشأ منه الكواكب والنجوم.
وبالمثل، فإن الطبقات الفقيرة والكادحة هي “المادة الخام” التي تُبنى عليها كل اقتصادات العالم، ومن عرقها تتراكم ثروات أصحاب الملايين…تلك النجوم التي تتحول إلى ثقوب سوداء “تبتلع كل شيء” ولا تترك شيئاً يفلت.
والدليل القوي على اعتماد النجوم والثقوب السوداء على الغبار الكوني، أنها لا تستطيع أن تعيش في مجرات منفصلة، خالية من الغبار. ولذلك فإننا ندعو إلى تطبيق الرياضيات ونظريات علم الفلك في الواقع: أن تعترف النجوم والكواكب والثقوب السوداء بدور “الغبار الكوني”.

وكان الإنسان أكثر شيء جدلا…
بعد أن سخر السيد تايسون من إيلون ماسك على الأرض، انطلق إلى السماء ليلقي اللوم على الله!
ينسى السيد تايسون ملايينه الخمسة، التي يمكن أن تخفف المعاناة عن الآلاف، ليقول مجادلاً بأن انتشار أوجه المعاناة في العالم يُثبت استحالة وجود إلهٍ قديرٍ رحيم.
لكن…
إنْ كان وجود المعاناة سببًا وجيهًا لإنكار وجود الله، فلماذا لا نطبق هذا المنطق على الجميع، ويكون كل من لا يساهم في إزالة البؤس والمعاناة غير موجود؟ وإذا كان التقاعس دليل على عدم الوجود، فمن منا “يوجد” حقًا؟
أصحاب الملايين بيننا قادرون على إزالة معظم البؤس والمعاناة. ولكنهم لا يفعلون.
وبالتالي كيف نلوم الله على تقاعسه المفترض، ولا نلوم البشر على تقاعسهم المؤكد؟

بدلًا من إلقاء اللوم على الله، دعونا نفعل ما نتوقع أن يفعله الله للبشرية، لا سيما أنّ بوسعنا عمل ذلك: أنْ نمدّ حبال أموالنا لتصل إلى جميع الفقراء حول الأرض، بدلًا من إرسالها في الفضاء بعيداً عنهم.

لئن كان التقاعس والبخل في مواجهة بؤس البشرية ومعاناتها أمرٌ غير ربّاني، فإنه أيضاً غير إنساني.
بيد أنّ من الأفضل لنا، بعيداً عن الجدل حول وجود الله، أن نقوم بأعمال مفيدة، سواءً كانت بدافع ديني أو دنيوي: دعونا نطعم الفقراء بدلاً من أن نلوم الله على جوعهم، ونعالج المرضى، ونعلم الأميين، الخ. إذا فعلنا ذلك، سيرى المؤمنون وجود الله من خلال أعمالهم الخيرة، وسيختبر غير المؤمنين قوة التعاطف الإنساني في التخفيف من معاناة البشرية.

القوة الفاعلة الغائبة

في عالمٍ يتحكم فيه قلة من الأفراد، كما ذكرنا، بثروات الأرض، فإنه يقع على عاتق هؤلاء قسط كبيرٌ من المسؤولية عن الفقر وعدم المساواة. إنهم يمثلون قوة ضاربة، قادرة على إحداث فرق كبير، وإن كانت غائبة عن الأنظار، على إثر تحولها إلى “ثقوب سوداء”. وليس من المبالغة في شيء القول إن مسؤوليات أصحاب الثروات لا تقل جسامةً عن مسؤوليات حكام العالم. وعلى عكس رؤساء الدول، الذين قد تُقيدهم الاعتبارات السياسية، أو المعارضة، أو الإجراءات البيروقراطية، فإن أصحاب الملايين والمليارات يُسيطرون على قراراتهم بأنفسهم. ومثلما أن تولي الحكم يُعدُّ مسؤوليةً جسيمة، فإن امتلاك الثروة أيضاً مسؤوليةً أخلاقيةً عظيمة.
ويجب أن ندرك أن الثروات التي بين أيدينا كافية لتلبية جميع احتياجاتنا، بل وحتى الكثير من رغباتنا، لكنها لن تُشبع أبدًا الجشع أو حب الظهور والشغف بالتميز.

هذا، ولا ينبغي لأصحاب الملايين أن يختبئوا وراء أصحاب المليارات، ولا ينبغي للذين تقل ثرواتهم عن المليون أن يشعروا بالإعفاء. لكن، للأسف، حتى أشهر المليونيرات والمليارديرات لا ينفقون إلا جزءًا ضئيلًا من ثرواتهم على القضايا الإنسانية. والمؤشر على ذلك أن ثرواتهم تتراكم سنوياً في أيديهم، بدلاً من أن ينتقل جزء منها إلى المشاريع الخيرية والإنمائية. ولا بد من الاعتراف بأن مشاركة القليل والاحتفاظ بالكثير أمر مشين، إذ لا ينبغي لأحدٍ أن يحتفظ بثروةٍ طائلةٍ بينما يعاني الملايين من المسغبة.

ولهذا الغرض، لا بد من تغييرٍ جذري في العقلية السائدة.
يجب أن نبتعد عن الاحتفاء بالمليونيرات والمليارديرات وتمجيدهم لمجرد ثرائهم وبذخهم، وأن نُدرك، بدلًا من ذلك، أنه لا قيمة لأحد منهم إلا من خلال عطائه. على الجماهير حول العالم أن تكف عن النظر إلى أصحاب الملايين والمليارات كرموزٍ للنجاح، بل كمدِينين، ويجب عدم التسامح مع تقصيرهم في سداد الدين الذين عليهم.
إن قيمة أصحاب الملايين لا تُقاس بمقدار ما يملكون، بل بمقدار ما يُعطون.

ليس رفضًا للنجاح… بل مساءلة عن الفعل
نحن لا نسائل تايسون، بل نُساءل دور العلماء والإعلاميين؛
ولا نحاكم ماسك تحديداً، بل نحذر من تكديس الثروة بلا مسؤولية؛
وقد يُقال إنّ في هذا الطرح ظلمًا لأصحاب الثروات، أو تجاهلًا لما يقدمه بعضهم من أعمالٍ خيرية، أو تبسيطًا لمشكلاتٍ معقدة لا تُحلّ بقرارات فردية مهما عظمت الثروة. وهذا اعتراضٌ مفهوم.
لكن المقصود هنا ليس إنكار الجهد الفردي، ولا نفي وجود مبادرات نافعة، ولا الادعاء بأن فردًا واحدًا قادر على حلّ جميع أزمات العالم. بل المقصود هو شيءٌ أدق:
أن حجم المعاناة في العالم، حين يُقابَل بحجم الثروة المركّزة في أيدٍ قليلة، يكشف فجوةً أخلاقية لا يمكن تجاهلها.
نعم، هناك عطاء… لكنه لا يزال بعيداً كل البعد عن القدرات والإمكانات؛
ونعم، هناك تعقيد… لكنه لا يقوم حجةً، ولا يُلغي مسؤولية الفعل.
ونعم، هناك تفاوت بين المليون والمليار… لكننا ننظر إلى الفرق بينهما بعين الفقراء، فنُعذر على عدم رؤيته.
ليست القضية إذن إدانة أشخاص، بل مساءلة نمط:
تراكم الثروة والقدرة في جهة، وتفاقم الحاجة والفاقة في جهة أخرى، وما مِن جسرٍ يقرب بينهما.

وفي الختام، دعوة…

إنها دعوة موجهة إلى أصحاب العلم: أنشروا الوعي!
ولأصحاب الثروات: شاركوا!
وللجماهير حول العالم: اعرفوا بمن وبماذا تحتفون!

أيها العلماء،
وأيها الأثرياء،
يمكنكم تحقيق أعلى درجات العلم والثراء بإنقاذ البشر، ومواساتهم، وليس بخياطة حبال من الدولارات تتسلقون عليها لتخرجوا من غلاف الكرة الأرضية، بعيداً عن الإنسانية.

elrayahabdelgadir@gmail.com

عن الريح عبد القادر محمد عثمان

الريح عبد القادر محمد عثمان

شاهد أيضاً

موانع التواضع: ما الذي يجعل الآذان صماء؟

الريح عبد القادر محمد عثمانتمهيد: حين لا يصل الصوت إلى الآذانحين بدأتُ أدعو إلى التواضع …