حربكم مع الدعم السريع لم تكفِ؟ تريدون حرباً مع أمريكا وإسرائيل أيضاً؟

أواب عزام البوشي

في رحلة التدمير المنهجي التي يعيشها السودان، تبرز حقيقة لا يستطيع منصف إنكارها: المؤتمر الوطني هو المسؤول الأول والأخير عن تدمير هذا البلد. ثلاثون عاماً من الحكم كانت كافية لتحويل السودان من بلد واعد يفيض بالخيرات إلى دولة منكوبة تعيش على هامش العالم. واليوم، ها هم ذات الوجوه، ذات العقلية، ذات المشروع، يخرجون من تحت الرماد ليعلنوا نيابة عن السودان وقوفهم مع إيران في حربها ضد أمريكا وإسرائيل.
نعم، نفس الجماعة التي حكمت ثلاثين عاماً فكانت حصيلتها انفصال الجنوب بعد حروب دامية، وعزلة دولية جعلت السودان في قوائم الدول الراعية للإرهاب، واقتصاداً مدمراً جعل المواطن السوداني أفقر من أي مواطن آخر في المنطقة، وفساداً مستشرياً نهب مقدرات البلاد. نفس الجماعة التي زرعت الفتن في دارفور، وأشعلت الحروب في جبال النوبة، وخلقت الجيوش المتعددة.
ثم عندما اختلفوا مع من شاركوهم السلطة، مع من صنعوهم بأيديهم، لم يبحثوا عن حلول سياسية تحقن الدماء، ولم يتنازلوا قيد أنملة لمصلحة البلاد، بل أشعلوا حرباً أكلت الأخضر واليابس. والآن، وهم غارقون في وحل هذه الحرب التي لم يستطيعوا إنهاءها رغم كل الدماء التي أُريقت، يخرج ناجي عبد الله ومن خلفه ليعلنوا للعالم أن السودان سيقف مع إيران.
أي منطق هذا الذي يملكونه؟ وأي عقل هذا الذي يدبرونه للبلاد؟
دعونا نتحدث بلغة الأرقام التي لا تكذب: أكثر من 10 ملايين نازح تشردوا، و25 مليون سوداني يحتاجون مساعدات إنسانية عاجلة، و70% من المستشفيات دُمِّرت، والتضخم تجاوز 300%. هذه ليست دعاية، هذه وقائع يعيشها السودانيون يومياً. هذه حصيلة حرب واحدة. حرب واحدة فقط. حربهم مع الدعم السريع.
والآن يريدون حرباً ثانية؟ بأي شعب؟ بشعب نصفه مشرّد والآخر جائع، شعب فقد الثقة في كل من يحكمه، شعب لم يعد يريد حروباً لا داخلية ولا خارجية؟
ما يزيد الطين بلة أن تقرير صحيفة “Al-Akhbar” كشف ما كنا نشك فيه منذ زمن: برهان رجل إيران في السودان. التقرير وثّق تبعية حقيقية، وحسب التقرير فإن قرارات سيادية كانت تصدر من طهران قبل السودان. ولم يصدر من الجماعة أي تكذيب. وهذا يفسر لماذا يريدون جرنا إلى حرب مع أمريكا، ليس لأنها تخدم السودان، بل لأنها تخدم إيران ونفوذها. السودان يدفع الثمن، والسودانيون يموتون، والدم السوداني يتحول إلى وقود لمشاريع إقليمية لا علاقة لنا بها.
والأكثر إيلاماً أن الذين يشعلون الحرب بأيديهم يجعلون أبناءهم في مأمن منها. أولادهم في ماليزيا وأمريكا ومصر يعيشون في أفخم الفلل، ويدرسون في أفضل المدارس خارج السودان، بينما أكثر من 16 مليون طفل محرومون من التعليم حسب تقرير منظمة اليونسيف.
في كل دول العالم، الحكومات تبحث عن مصالح شعوبها. هنا في السودان نجد حكومة تبحث عن حروب بالنيابة عن غيرها. كلما اقتربت البلاد من فرصة للسلام، رفعوا سلاح الشعارات لقتلها قبل أن تولد. رأوا في أي مسار تفاوضي “خيانة”، وفي أي مبادرة سلام “مؤامرة”.
يا للوقاحة! تتحدثون عن خيانة وأنتم من بعتم الوطن؟ تتحدثون عن مؤامرات وأنتم من تفتحون أبواب السودان لكل مشاريع إيران؟
الحقيقة التي يحاولون إخفاءها هي أنهم لا يعرفون للوطن معنى. المؤتمر الوطني، بقياداته الحالية وتنظيماته الموازية، هو آفة السودان ووباء الوطن. هم من أوصلونا إلى هنا، وهم من سيدفعوننا إلى الهاوية إذا استمروا.
عزل هذه الجماعة ليس مطلباً سياسياً لمعارضيهم فقط، بل أصبح ضرورة وطنية لكل من يريد للسودان البقاء. هم لا يصلحون، ولن يصلحوا، ووجودهم يعني استمرار الدماء، ووجودهم يعني تحويل السودان إلى ساحة لصراعات لا تخدم إلا طهران.
يا ناجي عبد الله، لا تتحدث باسم السودان، فالسودان الذي تتحدث عنه يموت جوعاً. يا كيزان، حربكم مع الدعم السريع دمرت البلاد، فلا تجرونا إلى حرب ثانية تمحو ما تبقى.
السودان ليس قطعة شطرنج في لعبة إيران الإقليمية، وليس وقوداً لحروب بالوكالة. السودان ليس مزرعة لأولادكم في المهجر.
ارحلوا. ليس لأننا نكرهكم، بل لأن بقاءكم يعني موت الوطن.

awabazzam456@gmail.com

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

من يحكم بلا تفويض… هل يملك حق الحديث عن معارضة؟

أواب عزام البوشي حين يتحدث الجنرال كما لو أن الدولة قد آلت إليه قَدَراً لا …