بقلم عمر العمر
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
هذه حرب الحسابات الخاطئة . على نقيض مخطط ترامب ونتانياهو رقعة النار اتسعت . سقفها الزماني خرج عن الحسابات المتوهمة . اجتثاث رأس النظام الإيراني بعملية جراحية عسكرية لم يفِتْ جسم الدولة . تصعيد مجتبى خامئني خيار ثأريٌ ليس انتقاء موضوعياً . الإبن لن يعبئ جلباب أبيه . مامن عمامة تغطي الفراغ بعد غياب المرشد المخضرم . الخسائر المهولة لم تجبر الدولةَ على الركوع لكن النظام لن يخرج مرفوع الرأس .ليس بالتشدد وحده يعاد بناء الدولة. الحرب أجهضت الحراك الجماهيري .لكن غبن الاقليات الإثنية قابل للاشتعال حينما ينقشع الدخان . العدوان الإيراني ألحق أضرارًا بدول الخليج .غير أنها كسّرت بالصمود الرهانات المكرورة على هشاشة بُناها . إيران أخفقت في تصدير النار إلى دول الحوار مثلما فشلت في تصدير الثورة. دبي أثبتت أنها ليست فقاعة مصنّعة كما يزعم المرجفون في الإعلام . بل أكدت أنها كرة بلّورية صُلبةٌ عصية على الكسر ومكتنزة بشبق الحياة و نفاذ الاستبصار و وجاذبية المغنطيس.
تجاهل ترامب أصوات الحكمة بتفادي الحرب لم يصدر عن قوة منطقِ نتانياهو . بل نتيجةَ وقوع الأميركي فريسةً لمتلازمة الغطرسة . الرجل مهجوس بشغل مقعد تاريخي وثير في شرفة رجال الدولة العظام . خطيئةُ هذه الحرب لم تنزع عنه ذلك الشرف ،بل أدخلته التاريخ من أحد أسوأ الأبواب . المغامرة الفينزويلية ضخّمت عند ترامب متلازمةَ الغطرسة وجنونَ العظمة حتى فقد القدرةَ بين الاصغاء للمخلصين والاستسلام للمحرّضين . هكذا وقع ترامب ضحيةَ الحسابات الخاطئة . ثمة بون شاسعٌ بين النظامين في فينزويلا وإيران يتجاوز أضعافا مضاعفةً المدى الجغرافي بينهما . ذلك الخطأ الاستراتيجي لم يورّط فقط أميركا في مستنقع دبقٍ ، بل حمّل حلفاء واشنطن كلفةً باهظة. رغم التوغل في الحسابات الخاطئة لم يعترف ترامب بأن ليس كل المغامرات قابلة للاستنساخ .
العملية العسكرية الخاطفة في كاراكاس حققت هدفاً سياسيا . الضربات العسكرية المكثّفة المدمرة على طهران أخفقت في إنجاز غاياتها المعلنه . رغم أن هناك تم فقط اختطاف الرئيس بينما هنا جرت تصفية طاقم القيادة العليا بأسره . حسابات ترامب الخاطئة ستكلف الجمهوريين غاليا عند الانتخابات النصفية المرتقبة . ربما يتحمل الأميركيون فاتورة حربٍ خاطئةٍ مهما جاءت باهظةً لكنهم لن يصبروا على مشاهدة عودة جنود في توابيت . كابوس فيتنام لم ينم بعد مضي جيلين أو ثلاثة . إرسال قوات برية إلى إيران لا يزيد فقط أعباء أخطاء ترامب و كلفة الحرب، أو يوسع جبهات القتال ،بل يباعد توقيت النصر المتوهم .
نتانياهو يتوغل في الخطيئة كلما توهم فرض السلام بقوة السلاح . فما أصاب غير الخسران السياسي والعسكري رغم اصراره على تحويل غزة و الجنوب اللبناني جبهاتٍ مفتوحة . فأفدح من ذلك خسارةً رهانُه بالعودة ألى معاركه الداخلية بانتصارات متوهمة في الخارج . متلازمة شهوة السلطة أعمته عن استيعاب دروس حروبه الفاشلة . مخزون الترسانة العسكرية المهولة المستخدم في غزة كما في لبنان لم ينقذه من التسليم بحتمية العمل الدبلوماسي . كل ما ألحق بغزة من دمار لم يكسر ارادة أهلها . للإيرانيين مخزون بشريٌ وفضاء جغرافي ثريٌ يعيناهم على التحدي . الآن باتت الحرب و كل المنطقة مفتوحتين على المجهول . صبر الاسرائليين أقرب للنفاد من احتمال الايرانيين . ليس الحرس الثوري وحده القادر على رد القصف بالقصف .فحزب الله لا يزال يطلق النار من بين الأنقاض والجثث.
اتكاء الايرانيين على الاستنزاف يعينُ على الصمود لكنه لن يحقق انتصارًا . إيران لم تعد تلك الجمهورية الإسلامية. علي خامئني لم يكن رأسًا عاديًا للدولة .هو سُرة النظام الثيوقراطي وأيقونته الموقّرة . بيده ظلت جمرة الثورة متوقدن بمفهومها الخميني . أجهزة المنظومة تتصارع ؛ مجلس تشخيص النظام ،مجلس الخبراء ،مجلس الأمن القومي، رئاسة الجمهورية ، مجلس الوزراء ،البرلمان قيادة الجيش و قيادة الحرس الثوري كلها تتعارك لكنها لا تخرج من تحت عباءة خامئني . كلها تعمل وفق إشاراته حرصا على إبقاء جذوة النظام . كلها تأتمر بإماءاته فتمارس كافة أشكال القمع ضد الشعب . مامن طرف إيراني يجروء على تخطى خطوط المرشد في الداخل و الخارج . خامئني تمكن من فرض كاريزما ذات هيبةٍ متكاملة الأبعاد تمزج الديني والدنيوي . بغض النظر عن سياسات خامئني، من الخطأ الرهان على مرشد يعيد انتاج دوره. فالإمام الراحل إبنُ ظرفه السياسي .فكما صنع أحداثا هو نفسه صنيعة وقائع زمانه .مجتبى خيارٌ اضطراري في ظرف طارئ أكثر من كونه وليد قناعات جماعية في بيئة معافاة .
الجهود الايرانية الراهنة على مستوى القيادة محاولاتٌ لتعبئة الفراغ في قمة الهرم . ما من شخصية قيادية قادرةٍ على اكساب المؤسسات هيبتها القابضة . من الجلي للعيان بداياتُ التناطح بين أجنحة الدولة ازاء قضية الساعة الايرانية الراهنة .فتناقض التصريحات في شأن الحرب يعكس ضعفَ النفوذ أكثر من تباين المواقف . بل أبعد من ذلك يؤشر إلى التصارع على مفاتيح صناعة القرار . ذلك ليس فقط سباقٌ شخصي على امتلاك زمام السلطة ، بل هو تنازعٌ بين مؤسساتٍ على احتكار حقوق صناعة المستقبل . الآن الحلبة مشرعة أمام مراكز القوى التقليدية داخل النظام للتصادم .المرشد الجديد سيخوض حتما معارك بغية تثبيت نفسه الرأس الأعلى . حطام الدولة والبُنى يجعل الطريق ملغّما بالمصاعب أمام إيران بينما تتلمس مسارات النهوض . ليس الشعب الإيراني وحده اضحى يقاسي ضغوطاً مركّبة تحت العقوبات وتحت الحرب .بل كل مؤسسات الجمهورية الإسلامية على مستوياتها المتباينة ترزح تحت عبء مأزق تاريخي .
aloomar@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم