حرب المرتزقة على أجساد المدنيين

عقوبات أميركية تكشف اقتصاد العنف في السودان.

نزار عثمان السمندل

تكشف العقوبات الأميركية الأخيرة صورة عارية لحربٍ خرجت عن حدودها، واتخذت من دم السودانيين جسراً لتشابك الجريمة بالسياسة، والسلاح بالمال، والعنف بالعابرين للقارات. بيان وزارة الخزانة الأميركية (9 ديسمبر) لا يكتفي بتسمية المتورطين، بل يضع إصبعه على طبيعة الصراع نفسه: حرب تُدار بعقلية المرتزقة، وتُغذّى بشبكات خارجية، وتُنفّذ على أجساد المدنيين.
اللغة التي استخدمها الأميركيون قاسية، وربما مقصودة. حديث مباشر عن قتل أطفال، واغتصاب نساء، واستهداف رُضّع، ومنع للمساعدات الإنسانية. هذه ليست توصيفات إنشائية، بل خلاصات تحقيقات رسمية أجراها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، بالشراكة مع أجهزة أمنية أميركية متعددة.
واشنطن تقول بوضوح إن “الدعم السريع”، ومعها شبكات تجنيد عابرة للحدود، حوّلت السودان إلى ساحة اختبار لوحشية مكتملة الأركان.
جوهر العقوبات لا يقف عند أفراد معزولين. المسألة شبكة متكاملة، تبدأ من بوغوتا، وتمر ببنما، وتلامس الولايات المتحدة، وتنتهي في الخرطوم والفاشر. مئات العسكريين الكولومبيين السابقين وجدوا طريقهم إلى ساحات القتال السودانية منذ سبتمبر 2024، يقدمون خبرات قتالية وتقنية، يقودون طائرات مسيّرة، يشغّلون المدفعية، ويدرّب بعضهم أطفالاً على القتال.
صورة الحرب هنا تخرج من السياق المحلي، لتتحول إلى سوق مفتوحة لمن يملك السلاح والخبرة ويبحث عن عقدٍ مربح.
الفاشر تشكّل المثال الأوضح. حصار طويل، اقتحام مدعوم بمرتزقة أجانب، ثم قتل جماعي، وتعذيب على أساس عرقي، وعنف جنسي واسع. المدينة تتحول إلى رمز: كلما طال الصراع، اتسعت دائرة الانتهاكات، وتراجع أي وازع أخلاقي أو سياسي.
محاولات تبييض السجل لم تصمد أمام الوقائع الميدانية، ولا أمام توصيف الخارجية الأميركية التي ذهبت إلى حد إعلان ارتكاب إبادة جماعية.
الأسماء الواردة في ملف العقوبات ليست تفصيلاً. ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا، الضابط الكولومبي السابق المقيم في الإمارات، يظهر بوصفه حلقة مركزية في التجنيد والتمويل والنقل. خلفيته المرتبطة بعالم الكارتلات تضيف بعداً جنائياً إلى حرب يُفترض أنها سياسية. شركات توظيف، وواجهات قانونية، وتحويلات مالية بملايين الدولارات عبر بنوك وشركات في أكثر من دولة، كلها تعمل لتغذية آلة القتال.
الرسالة الأميركية تتجاوز العقاب المحدود. تحذير صريح من أن استمرار الحرب يهدد استقرار الإقليم، ويفتح الباب أمام جماعات متطرفة، ويحوّل السودان إلى مساحة رخوة لأعداء بعيدين. الدعوة المتجددة لوقف الدعم الخارجي، والتمسك بهدنة إنسانية تفضي إلى مسار انتقالي مدني، تبدو محاولة أخيرة لإعادة السياسة إلى مكانها بعد أن خطفها السلاح.
في المحصلة، هذه العقوبات ليست نهاية القصة. إنها توثيق رسمي لزمن الانفلات، وشهادة دولية على أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً. دم الأطفال، وذاكرة النساء، وخراب المدن، كلها أصبحت جزءاً من ملف دولي مفتوح، عنوانه أن ما جرى لم يعد قابلاً للإنكار، ولا يمكن دفنه تحت ركام البيانات المتأخرة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميع

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميعفي مواجهة خطاب يشرعن اغتيال خالد سلكنزار عثمان السمندل لغةُ …