ولى زمان طارق بن زياد القائل البحر خلفكم والعدو أمامكم، بعد أن أحرق المراكب التي أوصلته الأندلس، ووضع جيشه في تحد أمام جحافل جيوش أوروبا ذلك الزمان، فعل ذلك لأنه على يقين أن للحرب أخلاقها، وأن عدوه لن يأتيه من قبل البحر بل يواجه وجهاً لوجه على اليابسة، لو كان الزمان مثل زماننا هذا لما فعل طارق ذلك، لأنه وبحسب حروب المسيرات اليوم، فإنّ ما فعله يعتبر غباء وبلادة عسكرية بحسابات اليوم، لأن المعايير ليست كتلك التي سادت في ذلك الزمان، وكذلك ذهب زمان معارك “أحد” و”بدر” التي يمهل فيها الفارس خصمه ليلتقط سيفه إذا سقط حتى يكون النزال متكافئاً، وجاءنا زمان يجد فيه المقاتل غفلة خصمه سانحة لكي يبرز مهاراته في القتال، فالذي يقتل من وراء حجاب يعتبر فارساً تتغني باسمه “القونات”، ويستقبل استقبال الفاتحين، فما عادت البسالة تعني الحديد الذي يقابل الحديد والذي يعقبه سقوط المهزوم وارتكاز الصنديد، بل اصبح الجبان الذي يراك عبر شاشات التقنية الحديثة من بعد آلاف الكيلومترات هو الفائز، ان استطاع رميك بقذيفة عابرة لهذه المساحات الفرسخية، أما أنت القابض على الزناد في انتظار مواجة الرجل للرجل، تعتبر الخاسر في هذه المعادلة غير المتكافئة، والمهزوم في سباق لا تعترف قوانينه بندية النزال، هنا يبين جبن حرب المسيرات بكل وضوح، فهي حرب جبانة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ولا تعكس منتصر حقيقي ولا منهزم بائن الهزيمة.
أما قذارة هذه الحرب فشهدها السودانيون في نيالا والخرطوم والأبيض وأم درمان، وقد تورطت فيها جميع الأطراف، قتلى أطفال على أسرتهم بالمستشفيات، وموت جماعي لمواطنين بالآلاف في منازلهم لا ذنب جنوه سوى أنهم بقوا في السودان ولم يغادروه، لا يوجد أقذر من هذه الحرب مهما حاولنا تجميل مخرجاتها النهائية، إنه لسلوك قذر أن يتخذ المتحاربون من المدنيين دروع بشرية يحتمون بها، ثم لا يلبثوا أن يتركوهم مكشوفي الظهر لو انقلبت كفة الحرب، لقد دفع الثمن المواطنون القابعون بمنازلهم بعد انسحاب هذا الجيش أو ذاك، فيدخل الجيش (الفاتح) وبيده قوائم مواطنين متهمين بالتواطؤ مع الجيش( المعرّد)، ثم تبدأ مسلسلات الإعدامات الميدانية لمجرد أن أحدهم شهدت عليه ابنته ذات السنين الأربع على أنه كان داعماً للمعرّدين، هكذا هي قذارة هذه الحرب التي تغطي سمائها المسيرات وأرضها كتائب الإرهاب، والمصيبة أن المواطن الذي يلام على أنه دعم هذا أو سقا الماء لذاك، لم يكن من مستوردي المسيرات الباهظة الأثمان من بلدان الشراكات الدموية مع الجيشين، ذنب هذا المواطن أنه مارس حياته اليومية كمواطن سوداني لا يحرم العطشى الماء بغض النظر عن هويتهم، فلا يتسق أن يترك جيشاً ثكناته بالمدن ثم يعود بعد الهزيمة ليحاسب سكان هذه المدن على عجزه في حمايتهم، أين كان هذا الجيش المعتدي على المواطنين حينما كان الجيش المعرّد مقيماً بذات المدينة؟، أليس حري بهذا الجيش أن يلف ثوب الخيبه حول نفسه ويتحمل المسؤولية كمعرّد أول.
من يحمي المدنيين بعد السنوات الأربع من تواجدهم تحت أرجل المتصارعين؟، المهمة التي فشلت فيها الوفود المدنية الزائرة لدوائر القرار الأممي والدولي، بالأخص وفود آخر حكومة مدنية، طالما أن هذه الوفود اختارت الحياد فلتحيّد الطيران الحربي الذي يملكه الطرفان من سماوات المناطق الملتهبة، هذا دور الحراك المدني، ولنا عبرة ببلدان كثيرة تم تفعيل خاصية المناطق المحظور فيها الطيران، فهل فشل الحراك المدني السوداني في توفير السماء المحظور فيها الطيران الحربي؟، وحتى لا تكون دعوانا هذه صيحة في واد صامت، نهيب بكل الناشطين المدنيين والمنظمات المنشغلة بحماية المدنيين أن يصعّد موضوع حظر الطيران لأعلى مستويات الاهتمام الدولي، وأن يتحرك المدنيون بهذا الاتجاه بدلاً من سعيهم لوقف الحرب، فقبل إيقاف هذه الحرب القذرة، أوقفوا زحف هذا الطيران فوراً، واحموا المدنيين، بجعل سماء المناطق المأهولة بالسكان خالية من نشاط الطيران الحربي، هذا أولاً وقبل السعي لإيقاف هذه الحرب، التي يقول عنها افضل المتفائلين أن أجلها لن ينقضي قبل عقد ونيف من الزمان، حتى ذلك الزمان من حق المدنيين أن يناموا تحت سقف سماء خالية من المسيرات، وأن يترك ميدان الأرض لمن هو أقدر على حسم المواجهة مع خصمه.
إسماعيل عبد الله
Ismeel1@hotmail.com
