زهير عثمان
لم تعد الحروب في العالم كما كانت في الماضي , فبعد قرون من الصراع بين الجيوش التقليدية والأسلحة الثقيلة، يتجه العالم اليوم نحو مرحلة جديدة قد تغيّر طبيعة الحرب نفسها.
هذه المرحلة يمكن أن نطلق عليها اسم حروب الخوارزميات؛ حيث لا يكون التفوق العسكري قائمًا فقط على عدد الجنود أو قوة السلاح، بل على قدرة الدول على تطوير خوارزميات ذكية قادرة على تحليل البيانات واتخاذ القرارات في زمن قياسي
في العقود الماضية لعبت التكنولوجيا دورًا مهمًا في تطوير الأسلحة وأنظمة القيادة والسيطرة , و لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال العسكري فتح بابًا مختلفًا تمامًا.
فالجيوش الحديثة بدأت تعتمد بشكل متزايد على أنظمة تحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والأنظمة الذاتية التي يمكنها تنفيذ مهام معقدة دون تدخل بشري مباشر
بحلول عام 2035 قد يصبح هذا التحول أكثر وضوحًا , فبدل أن يكون القائد العسكري هو من يحدد تفاصيل العمليات، قد تقوم الخوارزميات بتحليل ملايين المعطيات خلال ثوانٍ قليلة، وتقترح أفضل الخيارات التكتيكية، بل وربما تدير المعركة نفسها عبر شبكة من الأنظمة الذكية المترابطة
في مثل هذا السيناريو لن يكون التفوق لمن يمتلك أكبر عدد من الدبابات أو الطائرات، بل لمن يمتلك الخوارزمية الأكثر ذكاءً وقدرة على التعلم والتكيف
أحد أبرز مظاهر هذا التحول هو انتشار الطائرات المسيّرة الذكية فهذه الطائرات لم تعد مجرد أدوات يتم التحكم بها عن بعد، بل أصبحت في بعض الحالات قادرة على التعرف على الأهداف وتحليل البيئة المحيطة واتخاذ قرارات تكتيكية بشكل شبه مستقل
ومع تطور ما يُعرف بـ”أسراب الدرونز”، يمكن لعشرات أو مئات الطائرات الصغيرة أن تعمل معًا كوحدة واحدة منسقة عبر خوارزميات متقدمة مما يغير شكل المعركة التقليدية بالكامل
لكن التغيير لا يقتصر على ميدان القتال فقط. فالحروب الحديثة أصبحت تدور أيضًا في الفضاء السيبراني وفي مجال المعلومات.
هنا تلعب الخوارزميات دورًا أساسيًا في تحليل الرأي العام، ونشر المعلومات، والتأثير على المجتمعات
بعض الدول تستثمر اليوم بشكل كبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الاجتماعية والإعلامية بهدف فهم اتجاهات المجتمعات والتأثير عليها
هذا النوع من الصراع يمكن أن يُعرف بالحرب الإدراكية؛ أي الحرب التي تستهدف العقول قبل أن تستهدف الأرض وفي هذه الحالة تصبح الخوارزميات أدوات قادرة على توجيه الخطاب الإعلامي، أو تضخيم معلومات معينة، أو حتى خلق موجات من الجدل والارتباك داخل المجتمعات ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، قد يصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والمعلومات المصنوعة
التحدي الأكبر في هذا التحول هو أن سرعة الخوارزميات قد تتجاوز قدرة البشر على اتخاذ القرار, ففي حين قد تحتاج القيادات السياسية والعسكرية إلى وقت لتحليل المواقف واتخاذ القرارات، يمكن للأنظمة الذكية أن تقترح أو تنفذ إجراءات خلال ثوانٍ قليلة
هذه الفجوة الزمنية قد تخلق مخاطر حقيقية، خاصة إذا أصبحت بعض الأنظمة العسكرية قادرة على اتخاذ قرارات حساسة بشكل شبه تلقائي
بالنسبة للدول النامية، يطرح هذا التحول أسئلة مهمة حول مستقبل التوازن العسكري والتكنولوجي في العالم فالدول التي تمتلك القدرة على تطوير الخوارزميات والأنظمة الذكية ستتمتع بميزة استراتيجية كبيرة، بينما قد تجد الدول الأخرى نفسها أمام فجوة تكنولوجية متزايدة
لذلك أصبح الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي مسألة تتعلق ليس فقط بالتنمية الاقتصادية، بل أيضًا بالأمن القومي
قد لا تكون حروب المستقبل شبيهة بالحروب التي عرفها العالم في القرن العشرين , فبدل الجيوش الضخمة والجبهات التقليدية، قد نشهد صراعات تديرها أنظمة ذكية تعمل بسرعة تفوق قدرة البشر على المتابعة
وفي هذا العالم الجديد لن يكون السؤال من يمتلك السلاح الأقوى فقط، بل من يمتلك الخوارزمية الأذكى
وإذا استمرت وتيرة التطور الحالية، فقد يأتي يوم تصبح فيه الخوارزميات جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار في الحروب، بل وربما اللاعب الأكثر تأثيرًا فيها
عندها لن يكون الصراع بين الجيوش فقط، بل بين العقول التي تصمم هذه الخوارزميات، وبين الأنظمة الذكية التي ستدير معارك المستقبل.
*هذا التحليل كتب بمساعدة الذكاء الاصتناعي
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم