(IbrahimA@missouri.edu)
بدأ الدكتور حسن مكي موفقاً منتدي الانتخابات الرئاسية في الميزان، الذي نظمه مركز دراسات الإسلام والعالم المعاصر، يوم الثلاثاء الماضي بدعوته التحوط في التنبؤ بنتائجها لأن السودان تغير منذ آخر إنتخابات في 1986 تغيراً اذهلنا عن أنفسنا. فقد صار البلد “لحم راس” . يكفي في قول مكي أن حياً لم يبلغ العشرين عاماً من العمر هو حي الإنقاذ يتحدث أهله 26 لغة. بل أن في حي مايو 39 مسجداً و 9 كنائس. وأضاف مكي للمبالغة المليحة أن بالحي 3400 عربة كارو و37 مخبزاً. وإذا أحصى مكي الكارو عدداً فصدقوه. فقد اشرف على دراسات طيبة في علم بندرة الخرطوم (urbanization) منشورة.
لا أدري إن كانت الصفوة المتنبئة قد احاطت بهذه الرجة علما. فبدا لي دائماً أن صفوتنا البرجوازية، واليسارية أيضاً، لم تأخذ نفسها بالشدة لدفع مستحق هذه الخلطة في الوطن أو التخليط لتحتويه بالفكر. فنعي كمال الجزولي الشاعر علينا خمول معرفتنا ب” شغل السوق” الذي كان يٌرى بالعين في الزمن الجميل: يبدأ من سوق الصاغة إلى سوق العناقريب. ثم اصبح كمن يٌرى ولا يٌري.
السبب في إنحجاب هذا الواقع عن صفوتنا هو خلطها بين وقوعه في حد ذاته ووقوعه في ظل نظام الإنقاذ غير الشرعي في نظرهم. نذكر انهم توعدوا ألا يتركوا من الحافظين حتى “الحمدو” ديارا متى عادوا على جثة الإنقاذ. فالواضح أنهم أضربوا حتى عن التفكير في تغير واقعنا. فبدلاً عن درس هذه الوقائع المستجدة واستصحابها تجدهم يستنكرونها “بالله شوف عملوا شنو!” حتى يوم يمحونها في يوم نصرهم الموعود.
ولو تفكرت صفوة المعارضة في حقائقنا الجديدة لربما وجدت أن فيها الشفاء مثل ما هي الداء. ونبه إلى ذلك الأستاذ ضياء الذين بلال (23-12- 2009) عن إهملنا عنصر الاقتصاد في العلاقة مع الجنوب. فالاقتصاد، شغل السوق، يستطيع أن يجري كثيراً من التسويات التاريخية والاجتماعية دون الحاجة مجادلات سياسية عقيمة. ومن أراد التأكد من هذه الفرضية فليزر سوق نيفاشا بوسط الخرطوم الذي تسوده علاقة لا مثيل لها بين الشماليين والجنوبيين وأبناء دارفور: لغة المخاطبة هادئة وباسمة تٌحَيد كل الاختلافات تحت فضاء العرض والطلب ولاتجد أثراً واضحاً لرموز السلطة، سوق بلا نشالين ولا اشتباكات، سماحة في البيع والشراء.
وجاءت الأستاذة مزدلفة يوسف في صحيفة التيار بقصة عن انبعاج ثقافي حدث في آخر معاقل الصفاء الثقافي وهو المقابر. فكتبت عن مقابر الرواكيب غرب سوق ليبيا. فهي تضم رفات موتى من ديانات عديدة: المسلم والمسيحي و”الوثني”. وهي “عشوائية”. الدفن فيها يتم بغير أذن الحكومة المعروف. وقالت الصحفية إن: “مقابر الرواكيب تحمل رمز التعايش السلمي بين شتى مواطني السودان بغض النظر عن الدين والعرق”. فهنا قبر عليه الصليب بجاور قبر مسلم وبينهما قبور “وثنية”. وغالب سكان المنطقة من نوبة الجبال الشرقية وهم على ديانات مختلفة. وفي طقوس بعضهم نبش القبر أو بناء القبر بالسيخ والأسمنت عند آخرين أو دفن شوال سكر مع الميت عند غيرهم. وقد يٌشتت السكر داخل القبر أو تٌوضع الحلوى أو عملة حديدية في حفرة بالجهة التي تقابل رأس المتوفي باعتبارها كرامة للميت.
في غيبة علم “الإنبعاج” الحضري هذا ستبني الصفوة نبواءتها الإنتخابية على وحدات الصفاء المزعوم” “سيصوت الجنوبيون كذا والشماليون كذا” كأن الشمال حقيقة أزلية لا يتطرق لها التغيير. وكذلك الجنوب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم