حفاوة جديدة بالاستقلال (59) .. بقلم: عبدالله الشقليني

في مساء معتدل المناخ  من يوم الاثنين الموافق 29ديسمبر 2014 ، وعلى أبواب أعياد الاستقلال السودانية، اجتمعنا ضمن كوكبة من الحاضرين والحاضرات، في القاعة الكُبرى لنادي السودانيين بأبوظبي .و كما اعتدنا في ” منتدى السودان الفكري” ، احتفلنا بالاستقلال على غير ما اعتاد السودانيون الاحتفال . تركنا جلد الذات جانبناً ، وفررنا من المواجع والأحزان التي احتقنت في الأفق ، وقلنا نعيد مركب الفرح بعيد الاستقلال إلى البحر الهادئ ، نغمض أعيُننا كأننا في وطن مستقرٍ واحد، فيه ما تشتهي الأنفس . ففي قلوبنا  لم يزل وشمٌ من الصعب محو حفائره فينا ، ونَزعم أن لدينا شركاء تفرقوا أجساد ولكن قلوبهم مُجتمعة.
بدأ  اللقاء بالنشيد الوطني السوداني ثم النشيد الوطني للوطن الثاني ،الذي بين أظهره عشنا ونعيش ، وكذلك عند الختام . وقوف كلنا تحية للوطنية ، في أبهى صورها .وبين البداية والخاتمة مفاجأة أكبر مما كان يتوقعه الخاطر.
كان برنامج  الحفاوة من ابتكار المهندس الدكتور” محمد موسى ” ، وهو السكرتير السابق لمنتدى السودان  الفكري ، ومعه في التقديم الأستاذ”الأمير أبوقناية ” .
(2)
اختط لنا الدكتور ” محمد موسى” سياحةً في الأغنية الوطنية التي أبدعها ” خليل فرح ” ( عزّة في هواك ) بطعم ونكهة كل الدروب الممكنة ، وهي تتغنى بأفواه وموسيقى روسية وفرنسية وصينية وأثيوبية وكورية وسودانية متنوعة الألوان والأشكال .  أنغام على الوتريات وأخوات الكمان ، و آلات النفخ . أداء كورالي و مغنيات الباليه يصدحنَّ ، و كورال جامعة الأحفاد وعقد الجلاد وكورال الموسيقى بكلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان .وبضخامة الموسيقار المطرب” محمد الأمين والمبدع “مصطفى سيد أحمد ” والدكتور “عثمان مصطفى ” وبصوت الموسيقار حمزة علاء الدين ، الذي ختمها غناء باللغة العربية واللغة النوبية .سلسلة عقود وجدانية تزيِّن جيد الأغنية الوطنية  التي أبدعها الخليل .وتذوقنا تلك الطعوم الوجدانية وقلوبنا تخفق بالفَخار .يطّوف النغم علينا ونحن جلوس .تعشوشب دواخلنا بالخضرة  وما اعتدنا التطريب النبيل . عادنا الشوق إلى أفراح الوطنية  من بعد جفوة ،بأبعادها الروحية كلها إلى القاعة  والنفوس متراصة الأحاسيس. وضمير الوطن صاحٍ في الأنفُس . لم يُعكر صفوَه مُبتئس، أوسماع تصريح أحد مسؤولي الدولة السودانية ، يأتيك بمغص كلوي مفاجئ. ولحرية التنزه في حديقة الخيال الوطني متعة ما بعدها متعة.
بدأ الأستاذ ” محمد الأمين ” ،وهو يزاوج بين “عزة  في هواك” و”اليوم نرفع راية استقلالنا ” لوردي ، بإيقاع سلسل وأداء فخم وعرض شجي ومشاعر لا وصف لها . تتوقف حائر أنتَ، تتمنى أن تنتمي لتلك البقعة النائية في مؤخرة الجمجمة التي خزّنت عمر الطفولة، وتاريخ أهلنا في البوادي والحضر والأرياف وسيرتهم الطيبة .
“اليوتيوب “على شاشة العرض ، والميكروفون يصدح  ونحن نستمتع . لأول مرة  نجد أنفسنا مفارقين الأسى ، وبعيدين عن الحسرات . نستقبل العيد على أطياف الأرواح حين تسعد وقد خلَّدت معنى الوطن والوطنية ،حين عُدنا بذواكرنا كيف فدته الأمم السودانية المتعاقبة منذ نهاية القرن التاسع عشر ، مدنها وأريافها البعيدة والقريبة . كتبتْ سطوراً دمها أحمر، لن ينمحي عبثاً ولو تجمّعت سحائب الحُزن بعد انسداد الأفق السياسي و الاقتصادي والديني الذي تعيشه بلادنا الآن .
(3)
لقد حفر ” الخليل ” قصيدته على اسم”عزة” زوج البطل ” علي عبد اللطيف “، استعارة للوطنية  ، وكان اللحن مأخوذاً من أوجاع الحنين ،متناثرة على بقاع السودان الذي كان مُترام الأطراف !. حفّزها المبدع “خليل فرح “، وهو يُضمر الوطنية المختبئة بكامل غِمدها  في جسد الأغنية ، معنى ومبنى . خرج بها من كل تحقيق يُجريه قلم المخابرات في زمانه . وكان الرمز إبداع يكاد ينطق ، ولكن التورّية وخفايا المقصود ،هي صناعة شاعر وفنان ، غصنه مرنٌ ومراوغ لا ينكسر. اتقن النوبية لغة الأم ثم العربية الفصيحة ثم العامية الفصيحة أيضاً، وهي تشرّبت من معاجم البداوة وأطراف الحضر ،إضافة للإنكليزية، التي تُميز المثقفين تلك الأيام.صدح بهم جميعاً ،شاعراً و مُلحناً ومُطرباً  ومثقفاً وصاحب ملتقى وطني زاوج بين الأُنس وقضايا الوطن . اختلطت كل الأعشاب الفنية في مزرعة “الخليل”،ولما نزل نُفرِح  أنفسنا بقوامه  الشعري والغنائي  بملء الاشتهاء ، ترياقاً لسموم اللامبالاة والهروب إلى الخلف  في زمان لما يزل المستعمر الإنكليزي تروّعه الوطنية السودانية التي ذاق مراراتها في “كرري “.
عندما رحل “الخليل “وهو طريح الفراش بالمستشفى النهري المُطل على النيل الأزرق  بالخرطوم عام 1932 ،عن اثنين وثلاثين عاماً مضت من عمره القصير ، لميزل منذ ذلك التاريخ  يحتدم الصراع حول فكره و ابداعه إلى اليوم . ثمانية أسفار تحدثت عن سيرته ، ولم يزل في كل كأسٍ بقية  سوف تأتي لاحقاً دون شك .اتفق الجميع على أنه المثقف الفنان و الثائر الوطني عظيم الشأن . عرف مصر وأدباءها ومطربيها كصفحة يده . كان صديقاً لأساطين فن الغناء عندنا في الزمن الماضي . دعمهم بثقله الثقافي التنويري، هم يشاركون العامة والخاصة أفراحهم ، وهو في مجلس الأنس الوطني  يقضي جُل وقته .
نذكر حكاوي العم ” كامل السيد حمدون ” وهو يصف لنا ساعة تسجيل الأغنية الوطنية ” عزة ” وصاحبها طريح الفراش الأبيض في مستشفى القصر العيني بمصر . على ظهره الوسائد ، وصوته  لم يكن في كامل ألقه ونضاره  ، ولكنها الأيقونة البهية ، تأبى على عاديات الدهر إلا أن تكتمل ، تبتني أعشاشها وسط الريح  وتصمد حتى تسجّل لنا أحرف النور ،وقدأضاءت لنا  العتمة. صوته ريّان ، عميق كأنه قادم من بئر :

عزّة في الفؤاد سِحرك حلال
ونارهو اكشِفا وتيهك دلال
ودمعي فيهو اكحلو كالزلال
تزيدي كليو معظمة ازداد جلال
(4)
قدم الدكتور”مرتضى الغالي” في حفاوة الاستقلال ذلك اليوم حديثاً ثرياً عن “الخليل “. أول أيامه في الجمعية السودانية عام 1921 ، ولحقها بجمعية اللواء الأبيض .نشأته ، اتقانه اللغات ، وكتابته شعراً بالعامية السودانية ، بمعجم ألفاظ مركبة ، غنية بالمعاني الدفينة .قال الدكتور : كلما تقرأ قصيدة أو تسمع أغنية له ، ترّن في أذنك الكلمات وضّاحة ، صافية البشرة ، غنية  بالتشكيل اللغوي المنغّم ، زاهية الطلع . لم يزدها اللحن إلا تألقاً .
تلاقت أشجاننا ، أيضاً في ضيافة الكاتبة والشاعرة والناشطة الدكتورة “إشراقة مصطفى ” في مخاطبة قصيرة عن تجربتها في النمسا ، وهي ترتكز على بذرة نشأتها في السودان ، حين جفتها جامعة أم درمان الإسلامية ، بتيار الغلو . وهاجرت ونالت الدراسات العليا في النمسا وعمِلت غير متفرغة بالتدريس الجامعي هناك  ، وترجمت كتبها إلى الألمانية ، وهي الآن قيد إنجاز ترجمة ألمانية لرواية من روايات ” ملكة الدار ” ، تلك الكاتبة السودانية التي كتبت  قصصها ورواياتها في أربعينات القرن الماضي ، وتحسبها الدكتورة ” إشراقة مصطفى “هي الرائدة الحقيقية للروائيات في فن القص في وطننا وفي الأوطان الإقليمية المجاورة .
وقدمت لنا الشاعرة الإماراتية ” كلثم عبد الله ”  قصيدة ممراحة ،مملوءة شجناً . وتدفقَ طيب اللقاءِ ، بِناءً شعرياً لغوياً يقطّر عاطفة ، كشفت أننا نحتفي بذكرى الوطن ونحن نغرق في عطر أنفاس الشذى.
هنيئاً لأعياد البلاد بمولد عام وطني جديد ، لشعوب سودانية طيبة كصفحات الماء الرقراق تبرقُ عيونهم عاطفة . قراهم ومدائنهم من أديم الأرض . الخير في طباعهم ، ولا تقدر ضباع الشرّ ولو دام لها البقاء أن تُسكت فيهم حيوية الضمير ونقاء السريرة .
عبدالله الشقليني
1يناير 2014 
abdallashiglini@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً