حكاية دينق أكوى .. إسترسال آخر (3) .. بقلم: ناجى شريف بابكر

النداء الأنثوى
بالمقابل فقد كان ذلك التنكر الطارئ، علي فداحته، ثمنا عادلا بالنسبة إليه، إذ أن الرحلة طوال الطريق من “الضعين” إلى “كادوقلي” مرورا ب”الفولة” في نهاية موسم الأمطار، قد كانت حقاً متعةً لا يمكن تصورها، فقد ظل الجو ربيعياً غائما بصفة دائمة تقريبا، وهبات النسائم الباردة العليلة جعلت تلفح وجوههم وتنعشهم ببرد لطيف كبرد الجنة، والأشجار الفارعة الطول حول الطريق البري يانعةٌ تضج بخضرة زاهية، كوشاح سندسي ممدود إلي حيث ما امتدت الأبصار..
توقفوا أكثر من مرة فى الطريق لإعادة التزود بالمياه والطعام، وتناولوا شيئا من القهوة والشاى أثناء إستراحاتهم  القصيرة.. كما أن العربة كانت تتوقف عن السير  بمجرد حلول المساء بعد أن تنعطف لأقرب القرى من الطريق العام، ليقضون فيها الليل بالمقاهى التى غالبا ما تكون قد أُلحقت بها ملاذات (لوكاندات) لا بأس بها لإستقبال الغرباء والمسافرين وتوفير مخادع لهم لقضاء ساعات الليل.. ثم تعود العربة لمواصلة المسير مع حلول ساعات الفجر الأولى.. وذلك تحاشيا لركوب الطريق أثناء الليل، وما قد يكتنف ذلك من العواقب والأخطار التى لا قبل لهم بها، إذ تكررت فى الآونة الأخيرة حوادث النهب والأذى وإعتراض الناقلات والعبث بمنقولاتها وبمغتنيات المسافرين، الحوادث التى نشط بها مؤخراً مسلحون من قاطعى الطريق واللصوص المحترفين. 
كانوا فى مسيرهم يعبرون الفرقان ومعسكرات الرعاة وكانت القطعان تمتد على طول  البصر تقتات على الأرض الخضراء، يتجمع بعض منها حول الابار طلباً للماء وسط مجموعات من الرعاة وأهل البادية. وحسناوات فى مقتبل العمر كن يهرولن خلف العربة وهن يحملن حاويات من جلد الماعز المدبوغ وهى ملأى باللبن المخمر (القباشة)، والسمن البلدى، والأطباق وحاويات السعف الملونة، ومن الناحية الأخرى من الطريق فاتنات يانعات يتسامرن ويهرولن فى جماعات مابين الفرقان وموارد المياه، وعلى رؤوسهن جرار من الفخار ملأى بالماء، يثرثرن ويتضاحكن فى سعادة ونشوة .. 
كانت المياه المنسكبة من على الجرار فوق شعورهنّ الناعمة الداكنة السواد، تنسدل كخيوط الكريستال لتداعب وجوههنّ النضرة وصدورهنّ الناهدة، فتلتصق الثياب الرفيعة بالأجساد المخملية، لتبدو للعيان أنوثتهن الجامحة من تحت الرداء، كأنما هى تتراقصُ، تحايلاً على عزلتها، ككراتٍ من البلور قد أرّقَها الحنينُ ووقعُ الخطوات العجلى.. كنّ فى هرولتهنّ تلك يتصايحن فى دلالٍ وغنج، ويبادلن المسافرين التحايا بمثلها ويرسلن إثر ذلك لحاظاً فتاكة، ثم يغضضن فى ترددٍ وحياءٍ ظاهر.
لقد كان النداء الأنثوى جبّارا قاهراً، تقطعت له أفئدة المسافرين وخبُلت به ألبابهم ..لكن  العربة اللعينة، وكأنما هى بلا قلب،  كانت تنهب الطريق غير معنية بكل ذلك الجوى وكل ذلك الأنين، فظلت فى عناد وقسوة تواصل مسيرتها دون أن تلقى بالا للآهات ولواعج الهوى.. 
كانت سعادته لا تُضاهى .. وقد بلغت أحلامه اليوم كمالها، حينما تبين له أنهم قد أصبحوا الآن آمنين علي بعد مئات الأميال وبضع ليالٍ من الأرض التي إنطوت علي ذكريات أسره المرة ومأساته الطويلة، “برام”، “تولوس”، “قريضة”.. لم تعكر صفوه حقيقة أن لا دار له يلجأ إليها، ولا قريب له يؤويه بهذه المدينة، التى كان قد فرغ للتو من حط ركابه بأرضها ، فقط إنطلقت أساريره رغما عن ذلك حينما بدا له، ولو لوهلة، أن معاناته قد إنطوت إلي غير رجعة.
nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً