دكتور محمد عبدالله
في قلب العامية المصرية تتردد عبارة لافتة: «سمك لبن تمر هندي»، تُطلق على المشهد المختلط الذي لا رابط بين عناصره. ويُحكى أن أصلها يعود إلى بائع متجول كان يجوب أزقة القاهرة القديمة، يرفع صوته مناديًا على بضاعته المتنافرة في نداء واحد: سمك… لبن… تمر هندي. ومع الأيام تحولت الكلمات إلى اختصار بليغ لحالة الفوضى، أو لاجتماع أشياء لا يجمعها منطق ولا جامع مشترك.
هذه العبارة، بما تحمله من بساطة ساخرة، تصلح مدخلاً لفهم كثير من المشاهد السياسية في عالمنا العربي. غير أن المشهد السوداني الراهن يبدو اليوم الأكثر استحقاقًا لهذا الوصف.
فالحكومة التي تشكلت في مناطق سيطرة الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تبدو، في بنيتها وتوازناتها الداخلية، أقرب إلى ذلك الخليط الذي لا يجمعه رابط واضح. ليس فقط لأن السودان يعيش حربًا طاحنة منذ اندلاع القتال في منتصف أبريل 2023، بل لأن التكوين السياسي والعسكري الذي نشأ في ظل الحرب جاء منذ اللحظة الأولى نتاج تسويات مضطربة، أكثر منه مشروعًا سياسيًا متماسكًا قادرًا على احتواء التناقضات.
منذ المخاض الذي سبق تشكيل هذه السلطة، كانت التناقضات ماثلة للعيان. فقد اجتمعت تحت سقفها أطراف متعددة الولاءات والخلفيات: قيادات عسكرية تقليدية في الجيش، وفصائل من الحركات المسلحة التي دخلت المعادلة السياسية إثر اتفاق سلام جوبا عام 2020، ومجموعات إسلامية عادت تدريجيًا إلى الواجهة مستندة إلى ما تبقى من شبكات الحركة الإسلامية التي حكمت السودان ثلاثة عقود.
هذا التنوع في حد ذاته ليس مشكلة لو كان مؤطرًا بمشروع سياسي واضح الرؤية وجامع للأهداف. غير أن ما حدث كان أقرب إلى العكس. فقد دخلت هذه القوى إلى المشهد وهي تحمل حساباتها الخاصة، وأجنداتها المتباينة، وقراءاتها المختلفة لطبيعة الصراع ومستقبل الدولة السودانية.
الحركات المسلحة المساندة للجيش، وفي مقدمتها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة مالك عقار و العدل و المساواة بقيادة جبريل ، تنظر إلى المعادلة من زاوية نفوذها الإقليمي وقواعدها الاجتماعية في أقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وهي تحرص على توظيف هذا النفوذ لتعزيز مواقعها في أي ترتيبات سياسية قادمة.
أما المؤسسة العسكرية فترى نفسها معنية أولاً بإدارة الحرب واستعادة السيطرة على الأرض واستنزاف قوات الدعم السريع، وهي تستشعر في الوقت نفسه خطر تفكك الجيش باعتباره أقدم مؤسسة وطنية في البلاد.
وفي المقابل يسعى الإسلاميون، الذين أطاحت بهم ثورة ديسمبر 2019، إلى استعادة موطئ قدم داخل مؤسسات الدولة مستفيدين من ظروف الحرب، ومن تحالفات جديدة تتيح لهم العودة إلى المشهد السياسي عبر بوابة الدفاع عن الدولة ومؤسساتها.
وهكذا تشكل كيان سياسي – حكومة أمر واقع – يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى تحالف ظرفي فرضته ضرورات المعركة، لا إلى حكومة بالمعنى المتكامل و القادر على إدارة دولة بكل أعبائها.
وقد انعكس هذا الخلل البنيوي مباشرة على الأداء العام. فالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في بورتسودان وولايات الشمال والشرق وبعض أجزاء الوسط تعاني ضعفًا واضحًا في الإدارة المدنية، وارتباكًا في اتخاذ القرار، وصعوبات كبيرة في بناء مؤسسات قادرة على تسيير حياة الناس في زمن الحرب. وحتى الخطاب السياسي الرسمي يبدو أحيانًا مترددًا بين منطق الدولة الذي يستدعي معالجة هموم المواطنين وتوفير الخدمات، ومنطق التعبئة العسكرية الذي يستنفر كل الموارد لصالح المعركة.
المشكلة أن الحرب نفسها لا تمنح هذا الكيان الهش ترف الوقت. فالصراع الداخلي مرشح للاستمرار ما دامت التناقضات الأساسية دون حل، فيما تتغير البيئة الإقليمية والدولية بسرعة. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، قد يجد السودان نفسه مرة أخرى داخل شبكة معقدة من الاصطفافات الإقليمية التي لطالما دفع ثمنها غاليًا.
في مثل هذا السياق تصبح قدرة أي حكومة على الصمود مرتبطة بمدى تماسكها الداخلي قبل أي شيء آخر. فالسلطة التي تقوم على توازنات هشة يصعب عليها اتخاذ قرارات استراتيجية مصيرية، خصوصًا عندما تتعارض مصالح مكوناتها. فما يراه العسكريون ضرورة للحسم قد تراه الحركات المسلحة تهديدًا لنفوذها، وقد تستثمره الجماعات الإسلامية لمصلحتها الخاصة، لتبقى القرارات أسيرة هذا التعقيد.
هل تستطيع هذه الحكومة تجاوز هذه التناقضات؟ الإجابة ليست سهلة. فنجاحها يتوقف على قدرتها على التحول من تحالف حرب إلى مشروع دولة بالمعنى الحقيقي: أي الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة السياسة، ومن موازين القوى العسكرية إلى بناء مؤسسات مدنية قادرة على الحكم وتقديم الخدمات وانتزاع الشرعية من الشعب لا من رحم المعارك.
غير أن المؤشرات على الأرض حتى الآن لا توحي بأن هذا التحول قد بدأ بالفعل. فالتناقضات التي وُلدت مع الحكومة ما تزال حاضرة بقوة، بل ربما ازدادت وضوحًا مع طول أمد الحرب واتساع رقعة المعاناة الإنسانية التي دفعت الملايين إلى النزوح واللجوء، وهددت وحدة النسيج الاجتماعي للبلاد.
لهذا تبدو عبارة «سمك لبن تمر هندي» أكثر من مجرد تعبير تراثي ساخر. إنها وصف دقيق لحالة سياسية تجمع عناصر متعددة على غير وفاق، لكنها لم تجد بعد الصيغة التي تجعلها تعمل كجسد واحد. وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات والانقلابات، قد يكون هذا الخلل في جوهر السلطة أخطر من الحرب نفسها، لأنه يضرب قدرة الدولة على أن تكون دولة، قبل أن تضربها المدافع.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم