حلة الناس السمان …. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

كنا جلوساً في فندق الشرق في الستينات وفينا المرحوم عبد العظيم محمد عبد الحفيظ. نبهنا عبد العظيم لدخول رجل سمين بعد رجل سمين من باب للفندق. وقال بطريقته المقتطبة: “إنتو حلة الرجال السمان بهني؟

تذكرت هذه الواقعة القديمة وأنا أقرأ إعلاناً بعد إعلان لمستوصفات تدعو  السمان لتخصيص وزنهم. واستغربت لداء السمنة يصيب أمة غالبها تحت خط الفقر وعظام هيكل صبيتها من معروضات ضعفنا للعالم. وتساءلت :”إنتو حلة السمان دي بوين؟” كما سأل أنصاري دعته قيادته ليمارس “عنف البادية” ضد المدينة اليسارية: “إنتو حلة الشيوعيين بوين؟

أخشى ما أخشاه أن ترسخ واقعة سوق مواسير الفاشر العقيدة اليسارية القائلة أن نظام الإنقاذ هو نظام “الرأسمالية الطفيلة” والقطط السمان. فسوق الفاشر بالحق طلب إعتباطي للثروة. ولكن من قال إن التكوين البدائي لراس المال (وغيره) خلو من الاعتباط والطفيلية؟. فما أخشاه، متى ما أثبت سوق المواسير نظرية القائلين أن رأسماليتنا طفيلية وكفى، أن نضل عن العلم بتوطد طبقة برجوازية بيننا “الطفيلية” بعض مصادر تكوينها.

تنبهت للحضور البرجوازي من واقعتين لا عن سبل كسب هذه الطبقة لرزقها بل عن أسلوب حياتها. في عمود مميز كتب أحدهم عن انسحاب هذه الطبقة بالتدريج من مساكن الناس واعتصامها ب”غيتوهات” الثراء. والغيتو هو مساكن ضربت بها أوربا العزلة على اليهود الملعونين لقتل المسيح. وقال الكاتب إن هذه الطبقة بطريقها أن تكون “زمالكية” على خطة أحمد فؤاد نجم. فبيوتها المؤمنة ” مسالك مسالك:

لذلك إذا عزت توصف حياتهم

تقول الحياة عندنا مش كذلك

أما النبأ الآخر عن سيرة هذه الجماعة البرجوازية فهو ما جاء عن مراسل للسي إن إن عن ميدان سوبا للجولف. استغرب الصحفي لوجود هذا الميدان يطالعك من بين كثبان الرمال والحرارة القارسة كصورة غير متوقعة لشبر من الجنة: خضير مسقي بالماء الزلال حتى النخاع. وقال إنك لن تستغرب هذا الميدان في الغرب يمارس فيه أهل الشوكة والمال رياضتهم التقليدية. و صمم الميدان المهندس السويسري بيتر هارّادين الذي يدير أشغاله من دبي. ويرى أن الخرطوم بها موسرون كثيرون من فرط دخول البترول. ونبه إلى الحرج الذي يغشاه وهو يبني ميداناً للجولف بالماء الزلال في حين أن 66%  من السودانيين (25 مليون) لا سبيل لهم إلى الماء الصالح للشرب. 

من أبرز الملاحظات عن الإنتخابات هو هجرة أهل المال، الذين دعموا الأحزاب الطائفية قديماً، وتركوا بلابيط الأحزاب القديمة بره كما قال يونس ود الدكيم. ما دلالة ذلك؟ أعادني هذا إلى عبارة لأستاذنا عبد الخالق محجوب من أن الرأسمالية ستجد حزبها ذات يوم. فستلملم أطرافها الشتيت في حزبي الختمية والأنصار وتهجر ولاءاتها السياسية (لا الروحية) إلى حزب جامع. هل هجرة الأثرياء إلى الوطني هي ما لمَّح لها عبد الخالق في “قضايا ما بعد المؤتمر الرابع”؟ وكان يريد بذلك أن يزيل اللبس القديم من أن حزب الأمة رجعي وحزب الإتحاديين تقدمي. وكنا في اليسار ننفق جهداً كبيراً ليأتلف الختمية والأزهريين حتى نبعدهم عن حزب الأمة (الرجعي). وفك عبد الخالق عقدة المسألة. وقال لا تضيعوا وقتكم في التأميل في وحدة الاتحاديين. فالرأسمالية موزعة بين الحزبين “والإئتلاف وفض الإيتلاف” الذي طبع علاقات الحزبين ( شرائح الأمة والاتحادي بعد ثورة أكتوبر) إنما هو قلق الرأسماليين لترتيب حزب يمثل مصالحهم فوق الاعتبارات الطائفية التقليدية. فهل حقق المؤتمر الوطني هذا البيت الآمن للبرجوازية  التى بدأت تستقل بنمط “منعم” للعيش؟    

 

 

 

 

 (IbrahimA@missouri.edu)

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً