عبد الله علي إبراهيم
(من الأرشيف)
لربما شجعتني بوادر نيفاشا، التي هي رؤية رقاريق الضوء في آخر النفق، علي القول بأن ما عانته بلادنا في ظل الحرب الأهلية بشع وربما طائش. ولكن لا تبنى الأوطان بالساهل. فأنظر إلى تماسك الولايات المتحدة كوطن وهي التي خاضت باعترافها واحدة من ابشع الحروب الأهلية منذ
قرن ونصف. وماتزال ذيول تلك الحرب ورموزها تنغص عيش أهلها. ومعنى دفع فاتورة ميلاد الوطن من أكبر المعاني التي علينا اصطحابها من هنا وماشي إذا صح منا العزم علي تحقيق السودان الجديد الموعود. فقد غلب علي صفوتنا المعارضة بالذات نوعاً من استنكار الحرب جعلها شكاءة
بكاءة ولوالة كأن بناء الوطن ليس تدافعاً وضحايا.
ما يجري منذ تمرد 1955 في الجنوب ونشوء الحركات الإقليمية في الأقاليم الأخرى هو ما اسميته بعملية “اعادة التفاوض” حول الوطن الموروث من المستعمر. فقد تم بناء الوطن ،المسمي بالسودان القديم، علي ضوء فكرة وشفرة الحركة الوطنية التي غلبت عليها صفوة الشمال بأرشيفها العربي
الاسلامي. وصفوات الشمال كثيرة. وقد أغراني التمييز بينها لوصف صفوة الحركة الوطنية ب”البرجوازية” لولا أن هذا القول من المتروكات علي أيامنا هذه. لأنه بالحق كانت قد نشأت صفوة شعبية ماركسية موازية للبرجوازية شبت للبرجوازيين في حلقهم واقترحت صورة للوطن أكثر التفاتاً
إلى هامشه ومغلوبيه.
ويعتقد البعض بأن صورة السودان القديم هي محصلة لا مهرب منها متي تمكن العقل الاسلامي والعربي، الذي مادته التعصب والاستعلاء، من جماعة ما في أي بلد ما. وهذا قول عنصري ظلامي من جماعة تظن أنها تتزين بوسامة العقل والتقدم. فالعلة في السودان القديم ليس الاسلام أو العروبة
بل الفكرة الوطنية المخصوصة التي “استخدمت” هذين المصدرين لبناء الوطن كما اتفق لها. فلم يكن الإسلام ولا العروبة مادة بناء الوطن المصطرع في ساحل العاج أو رواندا أو بروندي. ولم يكن الاسلام مثلاً مادة الخلاف في الجزائر أو موريتانيا. وليست العروبة مادة الخلاف في
لبنان أو مصر. وعليه فالأقرب للإنصاف إذاً أن نلقي تبعة خصومات الوطن على صفوة الحركة الوطنية البرجوازية أياً كانت ثم نبحث عن كيف استخدمت مصادرها الثقافية المختلفة لبناء وطن أحادي الجانب.
لقد انزعجت دائماً لصناعة الفتنة التي صحبت حلم السودان الجديد. فقد انحى هولاء الحالمون باللائمة لا على خيال وقدرات ومصالح الصفوة البرجوازية الشمالية بل علي إرشيفها. وهو الذي اسموه بالأسلاموعربية. وهذا منهج خاطيء. فمازال للإسلام والعروبة مساهمة عذبة في بناء الوطن
الجديد إذا أولناهما تأويلأ في مقاس أشواقنا له. وأرجو أن يعترف من عملوا للسودان الجديد الذي قد يسفر بعد نيفاشا أنهم قد ضرجوا حلمهم به بتبخيس عنصري ظلامي للعرب والمسلمين. ولا تثريب. فتجديد الحلم متاح دائماً ما أردنا الخير. فقد حكى الشيخ بابكر بدري أن الشيخ سلمان
الجوير “حَلَّم” إمراة من العوضية في رفاعة بإقامة بيان له بالبلدة ففعلت. وبنى الانجليز بيت مفتش المركز قريباً من البيان. واشتكى المفتش لبابكر من “إزعاج” زوار البيان بطبولهم. فتحدث بابكر إلى المرأة وسألها نقل البيان لقاء مبلغ من المال. فقالت له المرأة: “مالو
نحلم تاني بالشيخ حلماً يرحل بيانو”.
لقد ازعجنا السودان القديم فلنحلم برحيله الي مقام جديد. ويالفطانة إمرأة من عوضية رفاعة.
(حورت قصة الشيخ بابكر قليلاً للطرافة) See less
