واجه المشهد الدولي في هذه الأيام موجة متسارعة من الاعترافات بدولة فلسطين، إذ تجاوز عدد الدول الداعمة 150 دولة من أصل 193 عضواً في الأمم المتحدة. خطوة كبرى في معناها الرمزي، لكنها تصطدم بواقع دموي على الأرض: حرب إسرائيلية مفتوحة على غزة، ومستوطنات تتسع في الضفة الغربية، وخطاب إسرائيلي رسمي يعلن بلا مواربة أن لا مكان لدولة فلسطينية.
الاعترافات توالت منذ مطلع الأسبوع، في سياق بدا كأنه رد مباشر على حكومة نتنياهو، الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، والتي جعلت من غزة مسرحاً لحرب تدميرية بلا حدود. وفي أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدا المشهد أشبه بميزان أخلاقي: أكثر من ثلاثة أرباع الأعضاء يقرّون بفلسطين دولة، بينما الولايات المتحدة، بثقلها السياسي والعسكري، تتمسك بالرفض، وتصف الاعتراف بأنه “مكافأة لحماس”. أوروبا من جهتها تبدو منقسمة، بين دول تعترف، وأخرى تنأى بنفسها، فيما الاتحاد الأوروبي ككيان يختبئ خلف حياد غير قادر على إخفاء تردده.
الجدل حول جدوى هذه الخطوة لم يتأخر. فالمراقبون الغربيون انقسموا بين من يرى فيها فعلاً رمزياً لا يوقف حرباً ولا يعيد نازحاً، وبين من يعتبرها دفعة أخلاقية تعزز مكانة الفلسطينيين في أي مفاوضات مستقبلية. القانون الدولي، عبر اتفاق مونتيفيديو لعام 1933، يرسم معايير الاعتراف بالدول، لكنه يذكّر أيضاً بأن مجلس الأمن سيظل رهينة الفيتو الأميركي الذي يمنع أي تحوّل فعلي.
في هذا السياق، نقلت الترجمات عن مصطفى البرغوثي، عبارات كتبها في نيويورك تايمز، يقول فيها إن الاعتراف، من دون إجراءات عقابية ضد الاحتلال، يظل رمزاً باهتاً أو حتى إلهاءً عن المجزرة المستمرة.
البرغوثي دعا إلى فرض عقوبات اقتصادية، وحظر على تسليح إسرائيل، ومحاسبة قانونية على المستوطنات والانتهاكات، محذراً من أن إسرائيل تسعى عبر سياساتها إلى دفن فكرة الدولة الفلسطينية نهائياً.
أصوات أخرى، مثل الدبلوماسي الفرنسي بيير فيمون (وكالات)، تؤكد أن الاعتراف لا قيمة عملية له خارج إطار عملية سلام شاملة، وأنه لا ينبغي أن يُختزل في إشارة رمزية خلال حرب مفتوحة. في المقابل، ترى باحثة الشرق الأوسط في جامعة لندن جولي نورمان أن الاعتراف، ولو لم يغير الواقع الفوري، يمثل التزاماً أخلاقياً يفتح الباب أمام إعادة تشكيل ميزان القوى في المدى الطويل.
مع ذلك، تبقى النظرة المتشائمة حاضرة بقوة: عامان من الحرب على غزة جعلت فكرة “حل الدولتين” أبعد من أي وقت مضى. القطاع مدمّر بالكامل، المستوطنات في الضفة ازدادت تجذراً، وحماس تظل أكثر حضوراً بين الفلسطينيين من القيادة الرسمية في رام الله. أما نتنياهو ومعه طيف واسع من قادة إسرائيل، فقد باتوا أكثر وضوحاً في استبعادهم لأي حديث عن استقلال فلسطيني.
في المحصلة، يضع الاعتراف الدولي المتسارع العالم أمام مفارقة قاسية: فلسطين التي تعترف بها العواصم والبرلمانات، هي نفسها فلسطين التي تُقصف يومياً وتُدفن تحت الركام. خطوة تحمل وزناً أخلاقياً ورمزياً، لكنها تصطدم بجدار الفيتو الأميركي وسلاح الاحتلال.
بين الورق والواقع، يظل الفلسطينيون أسرى معادلة غير مكتملة، دولة معترف بها في سجلات الأمم، لكنها منفية على الأرض، مؤجلة إلى إشعار تحدده إرادة القوة لا شرعة القانون.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم