في ليلة غزوة بدر الكبرى رحل الصحفي الإنسان صاحب القلم العفيف والقلب النظيف ، رحل نور الدين مدني أبو الحسن الصوفي المعتق الزاهد الذي كان زاده محبة الناس فبادلوه نفس الشعور !!..
تقول سيرة الراحل الذي شق نعيه علينا جميعا أنه تخرج في جامعة القاهرة فرع الخرطوم بليسانس في علم الاجتماع والتحف بوظيفة باحث اجتماعي في مصلحة السجون وعمل بسجن ام درمان الكبير وكان وقتها ضابط السجون يتخرج في الكلية الخاصة به وهي كلية السجون التي تخرجه وهو كامل التأهيل في معاملة النزلاء بكل مهنية وإنسانية مع تطبيق القانون والمحافظة علي النظام والانضباط داخل هذه المؤسسات التي القصد منها الإصلاح والتهذيب ومنح كل الفرص الممكنة للذين جلبهم حظهم العاثر إليها إن يغادروها بعد انتهاء محكوميتهم الي المجتمع وكأنهم ولدوا من جديد .
تري كم ساهم الراحل في إصلاح نفوس كثيرة كانت حبيسة الزنازين بالتعاون مع زملاءه الضباط الذين ميزتهم كليتهم التي تخرجوا فيها بالاستنارة والفهم العميق لإدارة مثل هذا المرفق الحساس الذي يحتاج لقادة همهم الطمأنينة العامة وسيادة حكم القانون في نفس الوقت !!..
كان الراحل نورالدين مدني دائما يفخر بكلية السجون السودانية التي كانت فريدة عصرها في المحيط العربي والافريقي وحتي دول الخليج كانت تبعث بطلابها ليلتحقوا بها وقد سعد هؤلاء الطلاب بها وظلوا يذكرونها بالخير بعد العودة لاوطانهم وقد أكملوا دراستهم ووجدوا أنفسهم في قمة التأهيل وهم يخدمون أوطانهم وبالطبع لم ينسوا الدراسة عندنا ولم ينسوا سوداننا الجميل !!..
المهم أن الراحل الدكتور جعفر محمد علي بخيت وقد كان رئيس لمجلس إدارة صحيفة معروفة واراد إن يرفد الصحافة بكادر جامعي يرفع به من شأن صاحبة الجلالة فاختار عشرة من الخريجين كان بينهم الراحل نورالدين مدني واكيد إنهم تلقوا تدريبا عاليا حتي شبوا عن الطوق وترسخت قدمهم في ثبات في دنيا الصحافة والمطبوعات وأصبح لهم شأن واي شأن !!..
علي المستوي الشخصي كانت تبهرني دائما هذه الديناميكية الفريدة التي كانت تجمع الثلاثي كمال حسن بخيت ونور الدين مدني وربيع حامد في صحيفة الصحافة وقد وصلوا بها الي درجة جعلتها اثيرة عند القراء يجدون فيها كل ماهو مشوق ومحكم السبك من أخبار ومقالات ودراسات وتحاليل تخرج من مطبخ ربيع حامد سكرتير التحرير هذا الذي يدهش الجميع دائما بما يقدم من سهل ممتنع ومن ورائه يقف الثنائي كمال و نورالدين وكلاهما قد جري حب الصحافة في كل ذرة من كيانه !!..
انضم لهذا الثلاثي فتي قدم من كردفان تجري الصحافة في عروقه وهو بعد غر صغير أنه طاهر محمد علي طاهر الذي طالما وجد الإشادة من مجلس الصحافة والمطبوعات .
باختصار بعد أن صار الراحل نورالدين نائبا لزميله في صحيفة السوداني محجوب عروة وكان الراحل بالإضافة إلي شغله منصب نائب رئيس التحرير كان مسؤولا عن صفحة ( برلمان السوداني ) وقد كانت هذه الصفحة بحق وحقيق برلمان فيه الرأي والرأي الآخر وكانت متنفسا للقراء رغم التضييق علي الحريات ولعبت حنكة الراحل في أن يجعل من هذه الصفحة أكثر تصفحا وحتي الكتاب من المتعاونين الذين كتبوا فيها كانت الصحيفة تتعامل معهم وكأنهم من أسرة التحرير وبين وقت وآخر تنشر أسمائهم في الصحفة ونشير علي انهم من أهل الدار وقد كنت أحد هؤلاء الكتاب مما قربني أكثر وأكثر من هذا الراحل الإنسان الذي كان مكتبه مفتوحا من غير خاجب يستقبل ضيوفه هاشا باشا ويمدهم بالماء البارد وكوب الشاي !!..
تخرجت بنتي مع زميلة لها في قسم الاعلام بجامعة الخرطوم وقد أتاح لهما الراحل نورالدين بكل أريحية وكرم فرصة التدريب عندهم ووفروا لهما كل الإمكانيات واستفادا كثيرا من هذه الفرصة الطيبة!!..
التعزية والمواساة لأسرة الفقيد الراحل نورالدين مدني ولعموم المجتمع الصحفي في الداخل والخارج وخاصة في استراليا التي هاجر إليها الفقيد في وقت مبكر وواصل عمله من هنالك يؤدي واجبه في هذا المجال الذي عشقه بكل ذرة من كيانه وكنا نقرأ عموده الذي ظل ساريا وعكس لنا الكثير عن جاليتنا بأستراليا وقد احبوه حتي النخاع وحتي حياته الأسرية وحبه لآل بيته خاصة أحفاده كان يسجلها صورة وصوت علي صفحته في الفيسبوك والواتس مما جعلنا نتعرف علي أهله بالداخل والخارج ونتعرف علي هذا القلب الكبير الحاني الذي كان يحمله الصحفي المميز الأستاذ الشيخ الوقور نورالدين مدني.
اللهم أغفر له و ارحمه واجعل قبره روضة من رياض الجنة والبركة ان شاء الله في أسرته وعموم أهله وفي كافة معارفه في طول البلاد وعرضها وفي قبيلة الصحافة والعزاء موصول للاستاذ طارق الجزولي رئيس تحرير صحيفتنا المحبوبة سودانايل وكل طاقمها وكتابها وقراءها !!..
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
من تلاميذ الراحل في مدرسة الصحافة الجادة الرصينة المرصعة بانبل الاخلاق واطيبها !!..
ghamedalneil@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم