حماية السُلطة للجريمة وإرهاصات سُقوط الدكتاتورية..!!‏

khssen@gmail.com
بقلم: خالد أبو أحمد
ليست المشكلة في أي مجتمع أن تقع جريمة، فالجريمة سلوك ‏بشري ملازم لكل زمان ومكان، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول ‏الجريمة من حادثة فردية إلى نمط متكرر، ومن انحراف ‏شخصي إلى شبكة محمية، ومن خطأ يُحاسب عليه صاحبه إلى ‏ملف يُطمر عمدًا لأن أصابع الاتهام تقترب من أصحاب النفوذ. ‏عند هذه النقطة لا نعود أمام قضية أخلاقية عابرة، بل أمام ‏أزمة سياسية وقانونية تمس جوهر الدولة نفسها. وهذا ما ‏تكشفه، بوضوح مقلق، سلسلة الفضائح الجنسية التي لاحقت ‏خلال السنوات الأخيرة دوائر المال والسياسة والرياضة في ‏الولايات المتحدة‎.‎
ففي واحدة من أكثر القضايا صدمة، ظهر اسم ملياردير واسع ‏العلاقات، اعتاد استقبال سياسيين وشخصيات نافذة ورجال ‏أعمال في ممتلكاته الخاصة، قبل أن تتكشف اتهامات بإدارة ‏شبكة لاستدراج القاصرات واستغلالهن في أنشطة غير ‏مشروعة. لم يكن الأمر مجرد انحراف شخص ثري، بل ‏منظومة علاقات معقدة تتقاطع فيها المصالح والنفوذ والصمت. ‏لكن ما أثار الشكوك أكثر من الجريمة نفسها هو الطريقة التي ‏انتهت بها القضية؛ فقد اختفى الرجل فجأة من المشهد داخل ‏محبسه، قبل أن تبدأ محاكمة حقيقية قد تفتح الأبواب على أسماء ‏أكبر، وكأن موته كان نهاية متعجلة لأسئلة لم يُرَد لها أن ‏تُطرح‎.‎
وفي قضية أخرى، اهتز الوسط الرياضي حين انكشف أمر ‏طبيب يفترض أنه مؤتمن على صحة فتيات صغيرات، فإذا به ‏يستغل موقعه لسنوات طويلة دون أن يتحرك أحد. شكاوى ‏الضحايا كانت موجودة، والتحذيرات وصلت إلى الإدارات، ‏لكن المؤسسة فضّلت الصمت خوفًا على السمعة والتمويل. ظل ‏الأطفال وحدهم في مواجهة الجاني، بينما كانت البيروقراطية ‏تحمي نفسها. وعندما انفجرت الفضيحة أخيرًا، بدا واضحًا أن ‏الجريمة لم تكن فردية بقدر ما كانت نتيجة بيئة كاملة سمحت ‏بحدوثها‎.‎
تتكرر الحكاية ذاتها في أكثر من مجال: مالٌ يشتري الصمت، ‏ومحامون يطيلون أمد التقاضي، وتسويات مالية تُغلق الملفات ‏بعيدًا عن الضوء، الضحية تُعَوَّض لكن الحقيقة تُدفن، وهكذا ‏تتحول العدالة من قيمة أخلاقية إلى صفقة تجارية. ومع كل ‏تسوية من هذا النوع يتعمق الشعور العام بأن القانون ليس ‏متساويًا للجميع، وأن النفوذ يستطيع دائمًا إيجاد مخرج‎.‎
المفارقة المؤلمة أن الدولة التي تتكرر فيها هذه الوقائع هي ‏نفسها التي تقدّم خطابًا عالميًا صارمًا عن حقوق الإنسان، ‏وتضع نفسها في موقع القاضي الأخلاقي للعالم. تراقب ‏الآخرين، وتدينهم، وتفرض العقوبات باسم حماية الكرامة ‏الإنسانية، بينما تعجز داخليًا عن حماية الأضعف من شبكات ‏الاستغلال أو عن محاسبة المتورطين إذا كانوا من أصحاب ‏العلاقات، هذا التناقض بين الخطاب والممارسة لا يمرّ بلا ‏ثمن؛ فالمصداقية الأخلاقية لا تُبنى بالكلمات، بل بالسلوك، ‏وحين يتسع الفارق بين الاثنين تبدأ الثقة في التآكل‎.‎
الخطر الحقيقي لا يكمن في الفضائح ذاتها، بل في ما تولّده من ‏شعور عام بأن العدالة انتقائية، حين يقتنع المواطن بأن القانون ‏يطال الصغار فقط، وأن الكبار يملكون دائمًا طرقًا للنجاة، فإن ‏فكرة الدولة العادلة نفسها تتعرض للاهتزاز. ومع الوقت ‏يتحول الشك إلى لا مبالاة، واللا مبالاة إلى انفصال نفسي بين ‏الناس ومؤسساتهم. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام ‏سياسي؛ لأن الشرعية لا تقوم على القوة وحدها، بل على ‏الإيمان الداخلي بالعدالة‎.‎
التاريخ يخبرنا أن الدول الكبرى لا تتراجع فقط بسبب الأزمات ‏الاقتصادية أو المنافسة الخارجية، بل بسبب التآكل الأخلاقي ‏من الداخل. حين تفقد القيم معناها العملي، وحين يصبح القانون ‏أداة مرنة بيد الأقوياء، تبدأ الأسس بالتشقق بصمت، ‏فالإمبراطوريات لا تسقط فجأة؛ إنها تضعف تدريجيًا لأن ‏مواطنيها لم يعودوا يصدقون الرواية التي تحكيها عن نفسها‎.‎
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من مجرد فضيحة هنا أو قضية ‏هناك. السؤال هو: ماذا يعني لمستقبل أي دولة أن تتكرر فيها ‏ثقافة الإفلات من العقاب؟ كيف يمكن لدولة أن تحافظ على ‏حيويتها إذا كان أصحاب النفوذ خارج دائرة المساءلة؟ وكيف ‏يمكن لدولة تطالب العالم باحترام حقوق الإنسان أن تقنع ‏الآخرين وهي لم تحسم معركتها الأخلاقية في الداخل؟.‏
كيف يمكن لدولة ترفع شعار الإسلام صباح مساء، وتملأ ‏الفضاء بالتهليل والتكبير، ويتصدر قادتها المشهد وهم يرفعون ‏أصابعهم بشعارات التدين تارة، وبخطاب الوعيد والتهديد تارة ‏أخرى، أن تتحول في الواقع إلى سلطة تنهب أموال شعبها في ‏وضح النهار، وتستخدم مؤسسات “إنفاذ القانون” أداةً للقمع بدل ‏العدالة، ووسيلةً للبطش بدل الحماية؟
كيف يستقيم أن يصبح من يفترض به حماية الأمن هو نفسه ‏مصدر الخوف، وأن يتحول المسؤول عن العدالة إلى منتهك ‏لها، وأن تُسخّر أجهزة الدولة لمعاقبة الأبرياء وإذلال ‏المخالفين، لا لردع المجرمين؟ وأي مفارقة أشد قسوة من أن ‏تُرتكب هذه الموبقات كلها باسم الدين، بينما الدين منها براء؟
إن الدولة التي تحرّم أبناء وطنها من أبسط حقوقهم التي كفلتها ‏الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية، وتضيّق على ‏الوطنيين الأحرار، وتمنعهم من دخول بلادهم وكأن الوطن ‏أصبح ملكية خاصة لفئة بعينها، لا يمكن أن تدّعي الأخلاق ولا ‏أن تتستر بالشعارات، فالأوطان لا تُدار بالوصاية، ولا تُختزل ‏في جماعة، ولا تتحول إلى “حاكورة” يتقاسمها المنتفعون‎.‎
أما إذا نظرنا لواقع السوداني يخيل إليّ أن الأيام التي نعيشها ‏ليست مجرد وقائع متفرقة أو فضائح عابرة، بل إرهاصات ‏لمرحلة أكبر، مرحلة ستهتز فيها جبال الحقيقة من تحت أقدام ‏أصحابها، وتخرج دواوين الحُكم أثقالها دفعة واحدة، بعد ‏سنوات طويلة من الكتمان والتجميل المصطنع. فما تراكم في ‏الظل لا يبقى إلى الأبد، وما أُخفي خلف المال والنفوذ لا بد أن ‏يطفو يومًا على السطح، والتاريخ يخبرنا أن الأنظمة التي تبني ‏صورتها على الدعاية، وتدفع من أموال شعوبها لتزيين وجه ‏قبيح، إنما تؤجل لحظة السقوط ولا تمنعها‎.‎
ولعل الديكتاتوريات التي حكمت بلادنا بالقوة، وأغلقت الأفواه، ‏وملأت السجون، وجنّدت كل وسيلة رخيصة لتشويه الوطنيين ‏الأحرار، من الافتراء إلى التخوين إلى صناعة الشائعات، تظن ‏أن قبضتها الأمنية كفيلة بإخفاء الحقيقة إلى الأبد. لكنها تنسى ‏أن للفساد رائحة لا يمكن حبسها، وأن هذه الرائحة حين تفوح ‏تعمّ القرى والحضر معًا، فلا يبقى ستار ولا تنفع مساحيق ‏التجميل السياسية. وما بُني على القهر لا يدوم، وما استند إلى ‏الخوف لا يصمد أمام لحظة انكشاف واحدة‎.‎
وربما يكون ما نشهده اليوم في أكثر من مكان، من انكشاف ‏شبكات النفوذ وتعرّي الشعارات وسقوط الهالات المصطنعة ‏حول النُخب الحاكمة، مقدمةً لزمن جديد تصبح فيه المساءلة ‏قدرًا لا مهرب منه، ويصبح فيه السؤال الأخلاقي أقسى من كل ‏أدوات السلطة: من يحاسب من ظنّ نفسه فوق الحساب؟.‏
ربما لا تكون الأزمة في الجرائم نفسها، بل في العجز عن ‏الاعتراف بأن السلطة حين تُترك بلا رقابة تتحول إلى غطاء ‏للجريمة، وعندها لا يكون الخطر على الضحايا وحدهم، بل ‏على صورة الدولة ومستقبلها ومكانتها في العالم. فالقوة التي ‏تفقد عدالتها تفقد، عاجلًا أو آجلًا، قدرتها على القيادة‎.‎
‏-‏
صباح الخميس 5 يناير 2026م

عن خالد ابواحمد

خالد ابواحمد

شاهد أيضاً

إلى الإسلامويين الذين يشتمونني بسبب ما أكتبه عن ضياعهم للبلاد‎..!‎

khssen@gmail.comخالد أبواحمد مثلما تصلني رسائل الشكر والتقدير والإشادة بما أكتب عن قضية السودان المحورية (الحركة …