حنينة ام عجلة ام درمانية

حنينة ام عجلة ام درمانية استفادت من الانجليز في خدمتها للشأن الصحي بكل انضباط وقد بزت الإعلاميين في جعل البقعة المباركة مرأة راي فبها المواطن نفسه الحاملة والحالمة بكل جميل ونبيل !!..
ghamedalneil@gmail.com

نتفق تماما مع الباحث السينمائي الأستاذ سامي سليل آل الصاوي هذه الدوحة الظليلة التي يكفي انها أهدت للوطن مفخرة القانون والسياسة والدبلوماسية والكتابة النيرة ذات البريق علي المستوي العالمي الرفيع الدكتور منصور خالد العمرابي … نتفق مع سامي علي ماسطره يراعه الذهبي عن ( جدتنا ) زينب محمد عبدالقادر التي تسيد لقبها ( حنينة ام عجلة ) علي اسمها الثلاثي المثبت في شهادة الميلاد.
عرفنا أن أمها أو جدتها كانت نمساوية مما اورثها الجمال الأوروبي والعيون الخضر وقوة الشخصية وقد ركبت الدراجة وهي مفتشة صحة تطوف بها ميدانيا علي الاحياء والمرافق العامة نؤدي واجبها الاشرافي الذي يتطلب قمة الدقة والانضباط ومن غير المألوف عند مجتمعها آنذاك الذي كان يري أن المرأة تظل حبيسة ما وراء اسوار بيتها ولا تغادره إلا لبيت زوجها ناهيك علي أن تمتطي دراجة علي رؤوس الأشهاد تنتقل لها من مكان لآخر !!..
وقد نما إلي علمنا أن عالم اللغة العربية العلامة الشيخ السراج قد استفزه منظر ( حنينة ) وهي تسير بكل ثقة شاقة دروب المدينة وهي ممسكة بمقود ( البسكليت ) ( وتبدل برجليها بدرجة عالية من الاحترافية مثلها مثل أي دراج ينافس في سباق أولمبي ) فما كان منه إلا أن أوقفها وعلاها بالدرة ( ضربها بالسوط) تاديبا لها علي خروجها عن المألوف في مجتمع محافظ لأقصى درجة كانت !!..
لم يتسنى لنا أن نعرف أن كانت هذه الواقعة قد حدثت بالفعل ام انها نسج من الخيال !!..
وبما أن الشيء بالشيء يذكر وطالما أننا في معرض العجلة الشهيرة التي رافقت مفتشة الصحة في مسيرتها المهنية الموفقة التي قدمت فيها الكثير لوطنها الغالي في هذا المجال الحيوي عالي الأهمية .
كانت هنالك عجلة أخري تحمل صاحبها ( الساعاتي الشهير ) المتوجه الي دكانه ذائع الصيت في اخر شارع ابوروف علي مقربة من المحطة الوسطي … زمانا حملت هذه الدراجة الخليفة محمد أحمد الخليقة ابراهيم من منزله في ( حب ودارو ) الي مقر عمله قرب المحطة الوسطي ولا بد أن مولانا الخليفة محمد أحمد قد راي في العجلة صديقا للبيئة وقد عرف عنه في مناسبات كثيرة تفكيره المتقدم السابق لعصره وكان بالإمكان أن يصل الي العمل ب ( الترام ) الذي كان متوفرا علي مدار الساعة وينساب في سهولة ويسر مابين البحر عند ابوروف والمحطة الوسطي والاجرة كانت زهيدة قرش صاغ وربما خمس مليمات ويبدو أن مولانا كان من المؤمنين بأن المشي رياضة من لا رياضة له والبديل عن المشي يمكن أن يكون امتطاء الدراجات ولها ميزة كمواصلات وتدريب عام للعضلات وشفاء من بعض الأمراض المتعلقة بالعظام !!..
واذا ولجنا سوق ام درمان نجد عمنا ( الحاج حسن عبد الرحمن قرشي ) وهو من كبار التجار فيه جعل من الدراجة رفقة عمر سهلت له تنقله الي العمل وبعض المشاوير في داخل المدينة … والطريف أن ( الطيب خوجلي ) ( العجلاني الشهير ومحله بالجوار كان يهتم كثيرا بعجلة العم حسن يتفقدها علي سبيل الصيانة الدورية لتبدو وكأنها قادمة للتو من اليابان !!..
هذا العجلاتي المثابر مضرب المثل في أداء واجبه وخدمة زبائنه بكل مثل واخلاق وربما لا تتعدي اتعابه أكثر من ( شلن ) خمسة قروش لا غير !!..
وتبدل الحال مع الطيب خوجلي وتطور عمله حتي صار من أكبر مستوردي الدراجات في ام درمان بل في كل البلاد وفاقت أعماله وشركته اعمال ( حسن صالح خضر ) الذي احتكر استيراد الدراجات وكان الاسم الأكثر شهرة في هذه التجارة التي يحتاجها قطاع واسع من العمال ومن الطبقة الوسطى ومن قطاعات لا يستهان بها من الموظفين .
ظل الطيب خوجلي يحافظ علي بساطته وخدمته لزبائنه خاصة القدامي منذ أن كان يسير بينهم في هندامه البسيط ( القميص العادي والشورت والصندل) !!..
من طرائف سرقة الدراجات أن مستشفي ام درمان خاصة يوم الزيارة كانت السرقة تتم من لصوص علي درجة عالية من الاحترافية مهما كانت الاحتياطات التي تتخذ من أحكام للقفل أو وضعها في مكان يمكن مراقبته من بعد وبعضهم يسلم دراجته لحارس يكون مسؤولاً عنها مقابل أجر من المال .
وكما قلنا فإن من اعجب الطرائف أن أحدهم ولفرط حبه لدراحته فضل أن تكون لصيقة به وهو يتجاذب أطراف الحديث مع أحد أصدقائه عند بوابة المستشفي والدراجة مستندة الي ظهره وهو مطمئن البال بأن ترسلين لوبين شخصيا لن يتمكن حتي من الغرب منها وعلي حين غرة انتبه ليكتشف أن دراجته صارت كأنها ( فص ملح ودأب ) والي الآن لم يعثر لها علي اثر وحتي لو جند اعتي المباحث اكيد سيكون الفشل حليفهم لا محالة .
اهلنا ( الفلاتة ) خاصة شبابهم وهم أهل ذوق وفن ورقي خاصة في مجال تزيين الدراجات فيصلون لها مرحلة من التزويق حتي تصبح مثل العروس في ليلة زفافها !!..
وفي عروس الرمال نجد العجلات ( الدبل ) التي تتبخر هنالك غير هيابة حتي لكثبان الرمل نفسها .

واليكم تعقيب الأستاذ سامي حول عبقرية ( حنينة ام عجلة والبيئة التي احتضنتعا زمان في ام درمان بقعة المهدي الامام .

حنينة سيدة الرالى
فى منتصف خمسينات و بداية ستينات القرن الماضى و السودان خارج لتوه من عصر الإستعمار شهد المستهلك السودانى تنافساً حاداً بين المنتجات البريطانية كون السودان مستعمرة سابقة و الأن سوقاً واعدة. مثلاً فى مضمار الشاحنات التجارية تنافس البدفورد و الأوستن. الهيلمان تقاسم طرقات المدن مع الموريس. دراجة الرالى بزت الفيلبس. فى دنيا الكيف سيطر الروثمان زمناً ثم دحره البنسون. كانت العقول سجالاً بين هذا و ذاك… و ما خفى أعظم من لوازم الكيف الاخرى. مثلاً الحصان الابيض أم العلامة السوداء( الترجمة مجازية)
كانت الشاحنات برجال اعمالها، و سيارات المدينة لعلية القوم و ارباب الطبقة الوسطى. الكيف و ما جاوره لأ صحاب العقول المتعبة و النفوس المرهفة. أما الدراجة فقد كانت رفيقة درب صغار الموظفين و الحرفيين و ذوى الدخل المحدود و بعض الطلاب. و لما إتسمت به الدراجة من خفة فى الحركة و تدنى فى السعر وفرتها مرافق حكومية و مؤسسات خاصة لبعض منسوبيها لتصريف أعمالهم. و كانت لدراجة الرالى القدح المعلى.
من ضمن تلك المؤسسات منحت بلدية امدرمان دراجات الرالى لبعض موظفيها . و ضمن أولئك المنتسبين كانت الزائرة الصحية زينب محمد عبد القادر المعروفة بإسم حنينة.
مثلما خرج خير السيد من غرفته فى حى العرب صبحاً باكراً ليبدأ طوافه اليومى الأمدرمانى دافعاً امامه ترولى الاوانى، أشرقت أيضاً شمس ذلك الصباح فى فواتح ستينات العام الماضى على حنينة و هى تستعد لتبدأ أيضاً طوافها الأمدرمانى و قد تدثرت بتوبها ناصع البياض الذى كساها حشمة وهمة، ثم إعتلت دراجة الرالى و فى معيتها أدوات مهنتها: دفتر المخالفات و فواتير الغرامات و حقيبة التحصيل.. مكتب كامل النصاب متحرك على متن دراجة بقيادة إمرأة تطوف بها عبر أحياء و دروب أمددرمان مثل خير السيد ميزو بعيد، و إن إختلفا فى المهمة و الوسيلة إلا إنهما إتفقا فى المقصد: إسعاد أهل أمدرمان.
و يبرز هنا مأزق إجتماعى: أن يطوف عامل صحى بدراجة لتصريف عمله أمر طبيعى و مقبول. أما ان تتصدى إمرأة لتلك المهمة و على ظهر دراجة هو شأن آخر كلياً. من الطبيعى فى مجتمع محافظ أن يعتبر التجول بالمكشوف على متن دراجة أمر يستوجب الإستنكار إن لم يكن التعنيف و الحرمان.
و هنا تطل اسئلة: ماذا فعلت حنينة؟ ألم يقعدها ذلك الموقف العدائى عن أداء واجبها بالوسيلة التى إختارتها طوعاً؟ كيف إستطاعت حنينة تجاهل إستهجان و ذم مجتمع لا يرى فى المرأة إلا صنم أبكم أصم قابعاً داخل خدر فى قاع الدار تخدم “ود الحلال”
… او تنتظر قدومه على جواد أبيض؟ كيف إستطاعت ترويض كلب الحراسة و إقتحام السياج الذكورى المتوهم و فرض شخصيتها سادرة بثقة على دراجتها غير ملتفتة – فى أدب – للوم اللائمين و قدح القادحين؟
لا شك يعود ذلك أولاً لقوة شخصيتها، و صدق إيمانها بعملها، و إلتزامها بخدمة مدينتها و أهلها. إضافة لكون هذه المدينة هى أمدرمان بعقليتها المنفتحة و ثقافتها التى تحضن المبتكر المفيد و بالتالى تقبلتها كما هى و أتاحت لها الفرصة الملائمة.
و بمرور الأيام أضحت حنينة رمزاً للإنضباط و محل إحترام أهل أمدرمان و خشيتهم من التورط فى مخالفة تعليماتها الصارمة لنظافة المكان و إصحاح البئة. لا بيت و لا متجر و لا سوق و لا مركز صحى و لا مدرسة خرج عن طوع فحصها الدقيق و رقابتها المستمرة. حتى سجن أمدرمان و مراكز الشرطة كانوا تحت إمرتها الصحية. مجرد رؤيتها و هى على دراجتها كان كافياً لإشاعة النظافة فوراً قبل أن تبرز دفتر الغرامات. لم يك يجدى معها توسل أو إستجداء. تنظف أو تدفع الغرامة. الخيار لك. و كل ذلك دون تسلط أو إستعلاء. بالتى هى أحسن. فهولاء فى نهاية المطاف هم أهل مديتها.. اهل أمدرمان و ليسوا أعدائها. تعلمهم مثلما علموها و هى تنمو معنى الجوار و معنى التوادد و معنى المساندة الأمدرمانية.
و هكذا إلتقت آنذاك بريطانيا العظمى بأمدرمان الفتية فى شخص سيدة الرالى لترسم ثلاثية متفردةً تمجيداً لكنداكة أمدرمانية و رمزاً لمعنى أن تؤدى ما عليك ان تؤديه بصرف النظرعن من انت و كيف تأتى.
حنينة و “راليها” فى مدينتها درس و إسم سار بهما الركبان بفخر.

شكراً أستاذ سامي علي الجهد المبذول في هذا المجال التوثيقي الهام.
ودمتم في رعاية الله وحفظه .

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .

عن حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

شاهد أيضاً

للحقيقة فقط وليس لأي غرض آخر

للحقيقة فقط وليس لأي غرض آخر ، المسؤول الرفيع في الدولة ماذا يضيره لو قال …