حواء السودانية والدة .. لا نحتاج لاستنساخ دهاقنة السياسة القدامى

مختار العوض موسى
في جلسة لاحتساء القهوة بمقهى في ليلة رمضانية بالرياض؛ بادرني صديقي بالسؤال: عدم استقرار السودان منذ استقلاله وحتى الآن، ألا يكون مدعاة لنا للتفكير في استنساخ كوادرنا التاريخية الوطنية التي كان لها شأنًا عظيمًا في الحفاظ على الوطن رغم التحديات الجسيمة التي كانت تحيط به؟ كيف يمكننا الاستفادة من هذه النخب التي كان لها الفضل بعد الله في تحرير البلاد من قبضة الاستعمار؟ فأجبته بأن الاستنساخ البشري سيظل محل جدل بيزنطي؛ كما أننا أصلًا لسنا في حاجة لاستنساخ قدماءنا؛ وحواء السودانية والدة ــ كما يقولون ــ ولكن قد نكون في حاجة لبناء أو استنباط نماذج ذكاء اصطناعي تكشف لنا كيف كان تعشق هذه الكفاءات التاريخية للوطن؛ كيف كانت بطولاتهم في تخليصه من الأخطار الصعبة المحيطة به؛ وإبراز تجاربهم المتميزة في الحفاظ عليه من مهدّدات الطامعين فيه آنذاك؛ يمكن عمل محاكاة لطريقة تفكيرهم وكيفية صياغتهم للقرارات الصائبة وإجبارهم للمستعمر على الإنسحاب من البلاد صاغرًا؛ فضلًا على الوقوف على الكيفية التي كانوا يديرون بها أي أزمات تواجه الوطن.

ولعله من الممكن تقنيًا تدريب نموذج على أرشيف خطب دهاقنة السياسة القدماء؛ لتحليل أنماطهم في التفكير واتخاذ القرار؛ وإنشاء “مستشار افتراضي” يحاكي رؤيتهم للدولة، الوحدة الوطنية، أو السياسة الخارجية؛ وهذا قطعًا سيكون من خلال محاكاة تجاربهم، وليس استنساخًا للوعي أو الكاريزما أو السياق التاريخي لأي واحد منهم في السياق الزمني لهذه الشخصية السياسية أو تلك سواء؛ ولكن قد نواجه إشكالية أخلاقية: هل يحق لنا “إعادة تمثيل” شخصية تاريخية لاتخاذ قرارات باسمها؟ بالطبع لا ؛ ولكن ممكن استخدام “التوأم الرقمي” كأداة تحليل تاريخي؛ مثلا اختبار سيناريوهات إفتراضية : ماذا لو واجه اسماعيل الأزهري أو محمد أحمد المحجوب أزمة اقتصادية معاصرة؟ كيف كانا سيتعاملان معها وفق انقسامات العصر الحالي ؟ ولكن حتى لو استطعنا محاكاة شخصيات تاريخية؛ نكتشف أننا نواجه حاليًا واقعًا أكثر تعقيدًا، أزمات اقتصادية، وسياسية، واجتماعية تختلف جذريًا عن ما كان في السابق؛ في وقت نفتقد فيه لمؤسسات دستورية قوية تستطيع مواجهة التحديات الحالية، ما يعني أننا ربما لا نحتاج إلى “استنساخ” قادة الماضي _ وهذا بالطبع يصعب تحقيقه _، بل نحتاج إلى استنساخ روح بناء مؤسساتهم الدستورية القوية التي كان لها شأنا عظيما في إدارة دولاب السياسة الوطنية في ذلك الزمن الذي ولّى؛ ويمكن أن تكون لنا رؤية أخرى فبدلاً من “استنساخ النخب”، يمكن

إنشاء أرشيف رقمي تفاعلي للقيادات السودانية من الاستعمار وحتى الآن لإبراز كل تجاربهم وخبراتهم، لتكريس الإستفادة من الناجحة منها وتكريس الاستفادة منها وتجاهل الفاشلة؛ كما يمكن تطوير منصات تعليم سياسي للشباب مستلهمة من أفكار النخب السابقة؛ فضلًا عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أخطاء التجارب السابقة لاستنباط الناجحة منها .

كما سألني صديقي : إلى أي مدى يمكن توظيف ” التوأم الرقمي” في استنساخ أمجاد دهاقنة النخب التاريخية الوطنية السابقة؛ كشخصيات إفتراضية في هذا الزمن الذي تتسارع فيه التحولات التقنية، فأجبته أن “التوأم الرقمي” ليس مجرد برنامج حاسوبي، بل هو تحول في طريقة فهمنا للواقع وإدارته؛ إنه انتقال من رد الفعل إلى الاستباق، ومن الحدس إلى التحليل، ومن العشوائية إلى الدقة؛ السؤال لم يعد: هل نستخدم التوأم الرقمي؟بل: هل نستطيع البقاء خارج عالم تُدار فيه الأشياء بظلالها الذكية؟ كما أن ” التوأم الرقمي” ما هو إلا مجرد نموذج ثلاثي الأبعاد، بل كيان افتراضي حيّ يتنفس بيانات ويتفاعل معها وكأنها في الزمن الحقيقي؛ وهو نسخة افتراضية مطابقة لأصل مادي — قد يكون مصنعاً، شبكة كهرباء، مدينة، أو حتى جسماً بشرياً — يتم ربطها بالأصل عبر حساسات وإنترنت الأشياء، بحيث تنقل البيانات لحظة بلحظة إلى منصة تحليلية تستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم الأداء والتنبؤ بالمستقبل؛ باختصار هو انتقال من “إدارة الأعطال بعد وقوعها” إلى “منع الأعطال قبل حدوثها”.

ولعل الأكثر إثارة في هذا الشأن ليس الجانب التقني، بل التحول الفلسفي؛ حين يصبح القرار مبنياً على نموذج رقمي يحاكي الواقع بدقة، فإننا ننتقل من “الخبرة البشرية الحدسية” إلى “الحساب الخوارزمي”؛ والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل سيظل الإنسان صانع القرار؟ أم يصبح دوره مراقبة شاشة تُخبره بما سيحدث؟ وفي كل الأحوال يفتح التوأم الرقمي نقاشاً حول حدود الذكاء الاصطناعي، ومفهوم السيطرة، وحتى طبيعة الحقيقة ذاتها: هل الحقيقة ما نراه؟ أم ما تقوله البيانات؟ ورغم الإمكانيات الهائلة لهذا التقدم، تواجه التقنية تحديات كبيرة: ارتفاع تكلفة بنيتها التحتية؛ الحاجة إلى أمن سيبراني صارم؛ مخاطر اختراق البيانات؛ فجوة المهارات التقنية؛ الاعتماد الزائد على الأنظمة الذكية؛ لذلك في دول تعاني من هشاشة البنية التحتية، قد يبدو التطبيق حلماً بعيداً، لكنه في الوقت ذاته قد يكون فرصة للقفز مباشرة إلى اقتصاد رقمي متقدم دون المرور بالمراحل التقليدية..

لا نحتاج لاستنساخ توائم رقمية لساستنا القدامى؛ حيث إن الوطن يزخر بالكفاءات القادرة على إدارة شؤون الوطن ومواجهة تحدياته؛ كما أن “حواء السودانية والدة” لا تزال مستمر في إثراء الوطن والإقليم والعالم بعباقرة ؛ وهي قادرة بإذن الله على صناعة جيل جديد من القادة السياسيين، بفكر مختلف وروح مختلفة، دون الحاجة إلى إعادة إنتاج نفس النماذج السياسية القديمة؛ فإذا نظرنا إلى تاريخ السودان، نجد سياسيين لعبوا أدوارًا مفصلية في مراحل تاريخية للبلاد، وكان لكل مرحلة ظروفها وتحدياتها ؛ فلا نحتاج لاستنساخ الساسة القدامى؛ فقد بدأنا في تجاوز الزعامات التقليدية؛ إلى بناء فكر مؤسسي لا يعتمد على الفرد؛ وإنتاج قيادات شابة تعكس واقع اليوم لا صراعات الأمس؛ والتعلم من الماضي دون الجمود فيه؛ لكن في المقابل، لا يمكن إلغاء التجارب السابقة بالكامل؛ فالتاريخ السياسي يحمل دروسًا مهمة في النجاح والإخفاق. المطلوب ليس الاستنساخ، بل التجديد مع الاستفادة من الخبرة؛ فالسودان – خاصة بعد التحولات الكبيرة التي شهدها – يحتاج إلى:قيادة وطنية أخلاقية لا طائفية؛ مشروع وطني جامع؛ وكفاءات شبابية مهنية لا ولاءات حزبية ضيّقة.

والله من وراء القصد

mokhtaralawad@gmail.com

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

ظهور حميدتي خارج المشهد: قراءة في الدلالات بين السياسة والميدان

مختار العوض موسىmokhtaralawad@gmail.com ضجّت الأسافير في الأيام القليلة الماضية بتفسيرات متباينة حول دلالات الظهور المفاجئ …