صلاح شعيب
ما سيعكف عليه البرهان في الفترة القادمة هو إعادة إنتاج لنهج البشير ورجاله. لكن مع اختلاف معطيات الطرفين والظرفين معًا، فإن البرهان، تحت ضغط واقعه الحالي، ما يزال مع رجاله في حرب. فإذا كنا لا نعرف أن صواريخ إسرائيل أو مسيّرات الدعم السريع قد طالت موخراً أجزاء واسعة من العاصمة القديمة، فكيف يتسنى عقد حوار سياسي عسكري-مدني على أزيز مسيّرات غير صديقة قد تحوم فوق المتحاورين في قاعة الصداقة، وقد تفجرهم؟
وإذا افترض البرهان أن الأمن مستتب الآن، وذلك مما يشجع المتحاورين التداول الآمن في القصر، فماذا لو عاد الدعم السريع للخرطوم ما دامت الحرب أصلاً قائمة بكرها وفرها، منذ بدئها؟.
هي بالأحرى مرحلة حوار طرشان جديدة ينجز الحلم غير النبيل لعبد الرحمن البرهان. أما حلم ابنه الآن، الذي يتلقى أفكاره وأوامره من الإسلاميين، فهو أن يسري بنا بأجنحة البراق الرئاسي نحو عشريات استبدادية جديدة. ولكن هيهات.
لاحظت – والشيء بالشيء يذكر – أن بعض الأكاديميين والسياسيين الذين كانوا مفتونين بحوار الوثبة الأول، نفضوا الغبار عن حججهم السابقة لدفع معارضة البشير إلى الحوار قبل ثورة ديسمبر بشهور قليلة. ذات «اللولوة والجرجرة» في الحجة تلمسها في الكتابات الجديدة لهولاء النفر حول موضوع «ود الحلمان»، فلا تعرف إن كانوا صراحة مع حوار البرهان أم ضده.
قرأت بعضاً من هذه المقالات اللوغريثمية المطوّلة، فلم يُبِين كتابها – غير الكيزان – بما يجعلهم شجعاناً لمطالبة القوى السياسية بالتوجه فوراً إلى بورتسودان ليتحاوروا مع قائد الجيش جنباً إلى جنب مع الكاردينال، وسوداكال، والجاكومي، والأخير قال إنه صاحب ملكية مطالبة قائد الجيش بشطب البلاغات الموجهة إلى قادة “صمود”، وإعفائهم من أجل المصالح العليا للبلد..عجبي!
وطبعًا، إذا قلنا بوضوح إن هذا الحوار الذي يُفَقِّلنا به البرهان هذه الأيام موضوع تافه لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به ديباجته، فسننتظر قول بعض البروفيسيرات في الحكم الرشيد ليحاجوا حجتنا بأن السياسة “تقتضي التعاطي مع الواقع، وعدم ترك فراغ قد يملأه الانتهازيون”، وغيرها من أساليب احتيالات سياسية جربناها كثيراً. ما لفت نظرنا في هذه الكتابات التي تدعي الموضوعية احتيالان: الاول لدعم فكرة كيزانية الأصل، إذ هي تخلق الفراغ أصلًا عبر شبكات احتيال يتعهدها مؤيدو البرهان بالواضح، وبالدس. أما الاحتيال الثاني فهو لإحراج معارضته، وإظهارها بأنها ضد تلك المصالح العليا.
بهذا الوضوح في البيان: لا معنى لحوار قبل إيقاف الحرب، وإبعاد الإسلاميين عن الجيش، والبوليس، والخارجية، والداخلية، والإعلام الرسمي، ومراكز الاقتصاد ذات العلاقة المباشرة بالدولة، والنيابة العامة، وغيرها من المجالات التي يعيشون في مفاصلها.
إن قصة الحوار الممسرح كلها تتمحور حول خداع الرأي العام. فالكيزان مما لا شك فيه خلف هذه الفكرة الانتحارية بتقديرنا. لكن في الوقت نفسه تقوم استراتيجيتهم على مهاجمة البرهان الذي قال بإبعادهم عن المشاركة في الحوار، حتى يذيبوا شبهة أنهم وراء الوثبة الجديدة. إذن فإن أي هجوم كيزاني على البرهان بشأن استثنائهم في حوار الوثبة الثاني أمر متفق عليه مع قائد الجيش. وذلك ما يساعد في الإيحاء للغافلين بأن المؤتمر الوطني تساوى في الظلم مع الدعم السريع.
الأميركان اكتشفوا الأمر فجاء تصريح الخارجية الاميركية اليوم رسالة واضحة للبرهان، ولحلفائه في المنطقة، بأنه كذاب، ومحتال يريد الحكم فوق جماجم السودانيين بعون الكيزان المتحكمين على المناطق التي يسيطر عليها الجيش، براً، وبحراً، وجواً..والكيزان كما تعلمون أكذب خلق الله، ويفوقون سوء الظن العريض كما قال الشهيد محمود محمد طه.
ولذلك نعتقد أن الإسلاميين – بدلا من احتراف الخديعة المقننة فقهياً – بحاجة ماسة إلى خلق قنوات حوار مع الحكومة الاميركية أكثر من الحاجة إلى الاختباء خلف فكرة حوار البرهان.
فتصنيفهم ضمن الإرهابيين سيظل حجر عثرة أمام مستقبلهم السياسي. فقلة وجماهير صمود أو الجذريين أو الأطراف الأخرى الرافضة للحرب، والمشككة في شرعيته، والمؤمنة بوجود شواهد جوهرية للإسلاميين في إشعال الحرب، يدركون الحاوي البرهان السائر دوماً بأمر الكيزان.
