كنت أعيش لوحدي، ولا يشغلني شيء، ولا أعرف على وجه الدقة ما السبب. كانت غرفتي تغرق في سكون عميق تلك الساعة، لا يقطعه إلا صوت الكيبورد، الذي صار زميلي الجديد، وأبعدني شيئاً فشيئاً عن الكتابة باليد.
كم حاولت مرات أن أتصالح مع القلم، لكنني فشلت. أما صديقي المقرّب، وأغبطه على ذلك فلا يكاد يفارق قلمه ومفكرته، يسجل فيها كل شيء، وكأنه يخشى أن تفلت منه فكرة أو تخونه الذاكرة.
كنت أراقبه وأقول في نفسي:
— طيب، إنت يا فالح، ما تبقى زي صاحبك ده، وتتكرم علينا في يوم من الأيام وتحركنا شوية!
وانا مستلق أفكر فإذا بي وفي غفلة مني، شعرت بصوت لم آلفه. وكاد الدم يتجمد في عروقي من المفاجأة.
— يا زول، إنت منو؟ وجيت هنا كيف؟
جاءني الرد هادئاً:
— أولاً، في التبادي، ما تتراجف ساكت. أنا قلمك.
— قلمي وبنضم كمان؟ لا، دي حكاية ما بتتصدق!
— أيوه، بتكلم، وعايز أتناقش معاك.
— تتناقش معاي في شنو يا قلمي العزيز؟ إنت ذاتك بقيت من الماضي، والناس هسع بتكتب بالكيبورد. أسرع وأسهل، والكلام البتكتبه ممكن تعدّله وتمسحه في أي لحظة.
هنا ضحك مني القلم ضحكة لم أعرف كيف صدرت عنه، ثم قال:
— يعني إنت شايف إنو السرعة دي خلتك كاتب أحسن؟
— ما قلت كده، لكن الزمن اتغير يا صاحبي.
— الزمن اتغير، ولا إنت الاتغيرت؟
سكتُّ قليلاً. لم يكن في السؤال ما يستحق كل هذا الارتباك، ومع ذلك شعرت كأن الرجل الذي أمامي يعرف عني أشياء حاولت أن أنساها. هنا قلت له، محاولاً استعادة ثقتي بنفسي:
— يا أخي، إنت مالك الليلة؟ جاي تحقق معاي؟
— أيوه، جاي أحقق معاك. عندي أسئلة كتيرة، ومن حقي أسألك عنها.
— أسئلة عن شنو؟
— عن الكلام الكتبتو، والكلام الما كتبتو. عن الحكايات التي أعطيتها للناس، والحكايات التي خفت أن تحكيها. عن الذين أنصفتهم في كتاباتك، والذين ظلمتهم، وعن الحقائق التي اقتربت منها ثم رجعت من نص الطريق.
هنا حاولت أن أضحك، لكن ضحكتي خرجت باهتة. قلت:
— يا قلم، إنت كبرت الموضوع شديد. أنا زول بكتب، ما قاضي ولا نبي.
ردّ في هدوء: نعم
— وأنا ما طلبت منك تكون قاضي ولا نبي. طلبت منك بس تكون صادقاً مع نفسك.
ثم سكت قليلاً، قبل أن يضيف:
— لكن خليني أسألك سؤال واحد، وأرجوك ما تجاوبني بسرعة الكيبورد البتفتخر بيها.
نظرت إليه في شيء من الريبة. اما هو فرد قائلاً:
— لو رجعت الليلة لكل ما كتبته في حياتك، هل ستجد نفسك في كل كلمة كتبتها؟
لم أجب. لكنني مددت يدي نحو الكيبورد، ثم سحبتها. نظرت إلى القلم الملقى أمامي، كأنني أراه للمرة الأولى. قلت أخيراً:
— ياخي، إنت داير توصل لشنو بالضبط؟
قال:
— داير أعرف: هل كنت تكتب ما تؤمن به، أم كنت أحياناً تكتب ما يرضي الناس؟
هنا استفزني السؤال.
— يعني إنت شايفني منافق؟
— أنا ما قلت كده. إنت البتقول.
— لكن الكتابة ما كلها حقائق ومواقف. مرات الكاتب بكتب عشان يمتع الناس، ومرات عشان يخفف عن نفسه، ومرات عشان يفتح باباً للتأمل. ما كل حكاية لازم تكون محاكمة.
— كلامك صاح. لكن حتى الحكاية البتكتبها عشان تمتع الناس، فيها اختيار. إنت البتختار منو يتكلم، ومنو يسكت، ومنو ينتصر، ومنو ينكسر. حتى الحاجات البتخليها برة الحكاية ممكن تكون أهم من الحاجات البتكتبها جواها.
حقيقة أحسست بشيء من الضيق. لم أكن مستعداً لأن يتحول قلمي إلى ناقد أدبي، وفوق ذلك ناقد يعرف مداخلي ومخارجي.
وقلت:
— إنت بقيت أستاذ نقد كمان؟!
— لا يا سيدي. أنا مجرد قلم. لكنك نسيت أنني كنت في يدك يوم كتبت أجمل ما عندك، وكنت في يدك برضو يوم كتبت كلاماً تمنيت بعد ذلك لو أنك لم تكتبه.
سكتُّ. للمرة الأولى، لم أجد رداً ساخراً أنجو به من الموقف. واصل القلم:
— أتذكر تلك المرة التي كتبت فيها عن رجل لم تمنحه فرصة للدفاع عن نفسه؟ كنت تعرف أن الحكاية عنده مختلفة، لكنك اكتفيت بما سمعته من الآخرين.
هنا قلت مدافعاً عن نفسي:
— يا قلم، الحكاية دي عندها ظروفها، وما ممكن تحكم عليها من طرف واحد.
— وأنا ما حكمت عليك. أنا بس سألتك: هل رجعت يوماً لتقرأ ما كتبت بعين الرجل الذي كتبْت عنه؟
نظرت إلى الشاشة. كانت أمامي صفحة بيضاء، ينتظر فيها المؤشر الوامض كلمة جديدة. ولأول مرة، لم أعرف ماذا أكتب. أما القلم، فقد ظل ساكناً في مكانه، كأنه قال كل ما جاء من أجله. لكنني كنت أعرف أن الحوار لم ينتهِ بعد.
