حوار مع أبنتي أشرقت (1 ـ 2)

حوار مع أبنتي أشرقت (1 ـ 2)
سودانيّون… فقط سودانيّون

نزار عثمان السمندل
الاتصالات بيني وبين ابنتي أشرقت وأختها الصغرى رسيل، تكاد تكون يومية. مكالمات تحمل نبرات الحنين وبعض القلق. تبدأ المكالمة عادية، مثل أي حديث بين أبٍ وبناته، ثم سرعان ما تحوّل أشرقت الاتصال إلى “ندوة”. ذلك يزعج رسيل، أحياناً، لكنها تتقبّله.

قالت لي إنها كانت قد دخلت نقاشاً على منصة تواصل تفاعلية، مع سودانيات في سنّها، مشتتات مثلها بعيداً عن الوطن، وقد دافعنَ باستماتة عن “عروبة” السودان الخالصة، وأنها حاولت توجيههن إلى عدم الاختزال. ثم سألتني بمرارة: “لماذا يصرّ بعضنا، على أن السودان بلد عربي، فقط؟ لماذا هذا الإنكار لأفريقيا فينا؟”.
سؤال أشرقت لم يكن جديداً، لكنه بدا كما لو أنه يُطرح لأول مرة، لأن الألم حين يأتي من فم الأبناء، يكون أكثر صفاءً، وأشدّ قسوة. ذكّرتها حينها بما قاله القائد الراحل جون قرنق، حين واجه سؤال الهوية بسيف العقل لا بهراوة الإيديولوجيا أو العِرق أو الدين. قال قرنق، بصلابة رجل يعرف تربة قدميه:
“العروبة لا توحّدنا، والأفريقانية لا توحّدنا، ولا الإسلام ولا المسيحية يوحّدنا. ما يوحّدنا هو أننا سودانيّون. خلّونا نكون سودانيين.”
عبارة تشبه قصيدة مكتومة. تشبه رغبة قديمة في الهرب من تصنيفات ضيّقة، من قوالب سقطت علينا من فوق، دون أن نستشير التراب أو الأمهات أو العرقَ المتصبب من جباه الآباء. كأن السودان حُكم عليه أن يكون ساحةَ اختبار لمشاريع الآخرين: مرة أمة عربية من المحيط إلى الخليج، ومرة قوساً إسلامياً يقاوم الغزو، ومرة درويشا متذبذباً يحاول اللحاق بقطار العولمة.
السودان ليس ملحقاً يا قوم. ليس ذيلاً في نهاية بيان، ولا هامشاً في خطاب وحدة عابرة. السودان قارة داخل قارة. بلدٌ مخلوط من وماء النيل، وشموخ الجبال، ورائحة الطين والشجر بعد المطر.
فيه من العرب بعض الدم، ومن الأفارقة معظم الجلد، ومن الإسلام غالبية الروح، ومن المسيحية دقات القلب. لكن إنسانه، في النهاية، سوداني. سوداني لا يحتاج لتصريحَ انتساب. ولا لختم من جامعة الدول، ولا لإجازة من الأزهر أو الفاتيكان.


لقد وقع بعض مثقفينا في فخ الوهم، حين ظنّوا أن الدولة يمكن أن تُبنى بالشعارات أو تُدار بالخطب. توهّموا أن “الأمة العربية الواحدة” حقيقة جغرافية، لا شعاراً سياسياً طارئاً. واعتقدوا أن الإسلام يمكن أن يكون حجر الزاوية في العقد الاجتماعي، لا مجرد عقيدة روحية تُواجه بها النفس مصيرها الأخير أمام خالقها، يوم تُعرض الأعمال بلا حجاب.
لكن الحقيقة المؤلمة، أن هذه “الأُحادية القسرية”، التي أرادت السودان عربياً خالصاً، وإسلامياً محضاً، لم تخلق وطناً، بل ولّدت عجزاً مزمناً، ومجتمعاً مأزوماً، وأجيالاً لا تعرف من تكون، ولا إلى أي ضفاف تنتمي.
السودان اليوم يدفع فاتورة الهوية المؤجلة. يدفعها دماً في الشوارع، وشتاتاً في المنافي، وتمزقاً في داخل البيوت. والسبب؟ أن صفوته أرادت له أن يكون صورةً طبق الأصل من غيره، بينما كان يجب البحث فقط عن صورته.
الهوية لا تُفرض، بل تُكتشف. تُصاغ من صراع الإنسان مع بيئته، من تاريخه الشخصي لا من سرديات الإقليم وأجناسه. والسوداني، ذاك الذي يتحدث بلحن لا يشبه أحداً، ويرقص بإيقاع لا يضبطه سواه، لا يحتاج لمصطلحات مستوردة كي يفهم نفسه. هو مزيج معقد، لكنّه واضح كالشمس. سوداني… فقط سوداني.
ولعل أجمل ما في مقولة قرنق، أنها لم تنكر أيّاً من المكونات، بقدر ما رفضت أن يُختزل الوطن في أيٍّ منها. لم يقل: لسنا عرباً. لم يقل: لسنا أفارقة. بل قال: “لسنا فقط” هذا، ولسنا “بالضرورة” ذاك. نحن هذا وذاك معاً. نحن تلك الهوية المركبة التي لا تتحمّل تبسيط الشعارات.


الهوية السودانية لا تحتاج إلى صراع داخلي. تحتاج فقط إلى شجاعة أن نقول: “نحن هكذا”. أن نقف أمام المرآة، لا لنُجمّل وجهنا بقناع عربي أو أفريقي أو ديني، بل لنقبله كما هو: مشروخاً قليلاً، متعباً كثيراً، لكنّه صادق.
السودان لم يُهزم من الخارج، بل من داخله. من نُخبٍ تعالت، على مدى الأزمان، على تنوّعه، ورفعت شعارات ضخمة تغطي بها هشاشة روحها الوطنية.
نُخبٌ صدّقت أن بناء الدولة يبدأ بتعريب اللسان أو أسلمة الجسد، لا بإقرار حق الجميع في أن يكونوا كما هم… سودانيين.
قال قرنق: خلونا نكون سودانيين.
وقال التاريخ: لم تصغوا.
ويقول المستقبل: لا خلاص لكم إلا بذلك.

nizarsamandal94@gmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …