الواثق كمير
kameir@yahoo.com
تورونتو، 10 أكتوبر 2026
قرأت باهتمام تعقيب الأخ خالد كودي (قراءة في مقال الواثق كمير حول “تأسيس” والحوار السوداني) على مقالي (“تأسيس” والحوار السودانيالسوداني: بين ضرورة الشمول وخطر شرعنة الانقسام). وأقدّر أنه تعامل مع النص بجدية وحاول أن يضع الخلاف في إطار فكري أوسع. كما أن كثيراً من القضايا التي أثارها حول طبيعة الدولة السودانية، والمواطنة، والتهميش، وعلاقة المركز بالأقاليم، ليست موضع خلاف بيننا في أصلها.
لكنني أعتقد أن تعقيبه قام، في جوانب أساسية منه، على خلط بين أربع مسائل مختلفة:
أولاً، بين وحدة الدولة وبين الإبقاء على بنية “السودان القديم” كما هي؛ وثانياً، بين التعامل مع طرف قائم فعلياً وبين الاعتراف بسلطة موازية أنشأتها الحرب؛ وثالثاً، بين التمييز الوظيفي بين المسارين السياسي والعسكري وبين إقصاء مشروع سياسي أو تجريده من حقه في التعبير؛ ورابعاً، بين التمييز الذي طرحته بشأن حركات اتفاق جوبا وبين منحها شرعية دائمة أو حصانة سياسية بسبب اتفاق سابق.
ومن هذه الخلطات الأربع انتقل التعقيب، في تقديري، من السؤال المحدد الذي طرحه المقال إلى مناقشة أوسع حول “السودان القديم” و”السودان الجديد”، ثم نسب إليّ موقفاً لم أقله وهو: أن المطلوب هو استعادة الدولة السابقة للحرب ببنيتها ومؤسساتها واختلالاتها التاريخية. بينما كان سؤال المقال أكثر تحديداً: كيف تُبنى عملية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة، من دون أن تتحول القوة العسكرية والسيطرة على الأرض إلى مصدر لصفة حكومية أو لحقوق سياسية مسبقة؟
ليس الخلاف بين “السودان القديم” و”السودان الجديد”. فلم أقل إن المطلوب استعادة “السودان القديم”، ولم أجعل بنية الدولة السودانية كما عرفناها منذ الاستقلال نموذجاً ينبغي المحافظة عليه أو إصلاحه إصلاحاً تجميلياً. بل قلت صراحة إن الحوار السياسي ينبغي أن يفتح الطريق إلى حوار دستوري أوسع يناقش طبيعة الدولة، والدستور، وعلاقة المركز بالأقاليم، والمواطنة، والهوية، والدين والدولة، والعدالة، وتوزيع السلطة والثروة، والجيش الوطني الواحد. كما دعوت بوضوح إلى استعادة مفهوم “جذور الأزمة” من الاستقطاب الذي أصابه خلال الحرب، وقلت إن القضايا التي يشير إليها هذا المفهوم أقدم من الدعم السريع ومن حرب أبريل نفسها.
لذلك فإن تصوير الخلاف باعتباره مواجهة بين من يريد الحفاظ على “السودان القديم” ومن يريد “السودان الجديد” هو، في الحقيقة، مناقشة لحجة لم يطرحها المقال. فالخلاف ليس حول ما إذا كانت الدولة السودانية القديمة تحتاج إلى تغيير عميق؛ وإنما حول كيفية الوصول إلى الدولة الجديدة، ومن يقرر شكلها، وما إذا كان السلاح يمنح من يحمله موقعاً مؤسسياً مسبقاً في تقرير مستقبلها. وحدة الدولة التي تحدثت عنها ليست تقديساً لبنيتها التاريخية، ولا دفاعاً عن مركزيتها أو عن الامتيازات التي نشأت داخلها. هناك فرق أساسي بين الحفاظ على وحدة الكيان السياسي والجغرافي للدولة وبين المحافظة على النظام السياسي والاجتماعي الذي حكمها تاريخياً. فإنه من الممكن إعادة بناء الدولة جذرياً من دون تفكيكها إلى سلطات متوازية تنشأ أثناء الحرب.
التعامل ليس هو الشرعية
خالد نفسه يقدم تمييزاً مهماً بين الشرعية، والاعتراف، والسلطة الفعلية، وأنا أتفق معه في هذا التمييز. بل إن هذا التمييز هو في صميم حجتي. فلم أقل في أي موضع إن سلطة بورتسودان تتمتع بشرعية ديمقراطية، ولم أجعلها صاحبة الحق في منح الشرعية للآخرين أو حجبها عنهم. كما أن التعامل مع مؤسسات الدولة القائمة لا يعني اعتبار ترتيبات ما بعد انقلاب 25 أكتوبر مرجعية ديمقراطية نهائية. وفي المقابل، عدم تمتع سلطة قائمة بشرعية ديمقراطية لا ينتج تلقائياً شرعية لسلطة أخرى موازية أنشئت أثناء الحرب. يمكن، منطقياً وسياسياً، رفض انقلاب عسكري ورفض حكومة موازية في الوقت نفسه.
وهذا ليس افتراضاً نظرياً محضاً.
وليس هذا تمييزاً اخترعته حجتي بين “سلطة شرعية” وأخرى “غير شرعية”. فالواقع أن الاتحاد الأفريقي نفسه، الذي ظل يرفض التغيير غير الدستوري في السودان ويدعو إلى استعادة حكم مدني دستوري، اتخذ في الوقت نفسه موقفاً صريحاً من “حكومة تأسيس” الموازية. ففي قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير 2026، أدان الاتحاد بشدة إنشاء ما وصفه بـ”الحكومة الموازية” بواسطة تحالف “تأسيس” بقيادة الدعم السريع، ودعا الدول الأعضاء والمجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بأي حكومة موازية، مع التأكيد على وحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة. ثم عادت مفوضية الاتحاد الأفريقي، وهي ترحب بالحوار السوداني–السوداني، لتدعو إلى عملية شاملة تضم مختلف القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، على أن تقود في النهاية إلى سودان موحد تحكمه مؤسسات مدنية شرعية وبنية أمنية وطنية واحدة.
وهذا يوضح النقطة التي أطرحها تحديداً: رفض منح السلطة القائمة شرعية ديمقراطية مطلقة لا يستلزم الاعتراف بسلطة موازية نشأت عن الحرب، كما أن رفض الحكومة الموازية لا يعني إقصاء القوى المدنية والسياسية المرتبطة بها من عملية سياسية شاملة.
والأهم أنني لم أدع قط إلى عدم التعامل مع الدعم السريع. بالعكس تماماً: قلت إن الحرب لا يمكن أن تنتهي من دون التفاوض معه بوصفه طرفاً عسكرياً رئيسياً يملك السلاح والقوات والسيطرة على الأرض. ولذلك وضعته بوضوح داخل مسار وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والمساعدات الإنسانية، والانسحاب، والترتيبات الأمنية، ومستقبل القوات.
إذن لا خلاف بين خالد وبيني في ضرورة التعامل مع الطرف الفعلي.
الخلاف يبدأ في اللحظة التي ينتقل فيها خالد من القول بضرورة التعامل مع الدعم السريع و”تأسيس” بوصفهما واقعاً سياسياً وعسكرياً قائماً، إلى نتيجة مختلفة تماماً: ضرورة التعامل مع “حكومة تأسيس” بصفتها المؤسسية كحكومة تمثل مشروعاً سياسياً. لكن لماذا تترتب النتيجة الثانية بالضرورة على الأولى؟ فالتفاوض مع طرف، أو الإقرار بوجوده كواقع سياسي وعسكري، لا يعني الإقرار بحقه في الحكم، ولا بالصفة الحكومية التي يمنحها لنفسه. وهذا، في الحقيقة، هو التمييز نفسه الذي يؤكد خالد ضرورة الحفاظ عليه بين التعامل والاعتراف والشرعية.
والمشروع السياسي لا يمنح صفة حكومية إذا كان المبرر للاعتراف بالصفة المؤسسية لـ”تأسيس” هو أنها تحمل مشروع “السودان الجديد”، فالمشروع السياسي — مهما كانت وجاهته — لا يمنح صاحبه تلقائياً صفة حكومية. المواطنة المتساوية، والعدالة، وإنهاء التهميش، وإعادة توزيع السلطة والثروة، ومعالجة علاقات المركز بالأقاليم، وإعادة النظر في علاقة الدين بالدولة، ليست ملكية فكرية أو سياسية لتحالف بعينه. هذه قضايا وطنية سبقت “تأسيس” بعقود، وطرحتها قوى ومدارس فكرية وسياسية متعددة، ومن بينها الحركة الشعبية نفسها في مراحل مختلفة من تاريخها.
لذلك لا ينبغي أن يصبح قبول هذه القضايا مرهوناً بقبول الحكومة التي أعلنتها “تأسيس”، كما لا ينبغي أن يصبح نقد تلك الحكومة رفضاً لمشروع السودان الجديد.
أما إذا كان أساس الصفة المؤسسية هو السيطرة على الأرض والقوة العسكرية، فنكون قد عدنا تحديداً إلى المشكلة التي أثارها مقالي: تحويل نتائج الحرب إلى حقوق سياسية ومؤسسية.
من يقرر أن هذا سلاح ثوري وذاك سلاح امتيازات؟
يطرح خالد تمييزاً بين استخدام السلاح لحماية الامتيازات القديمة واستخدامه في “النضال لتغيير البنى التاريخية التي أنتجت الحروب”. هذه فكرة تستحق النقاش، لكنها لا تصلح في ذاتها قاعدة لتحديد الشرعية السياسية. فمن الذي يقرر أن سلاحاً معيناً “ثوري” وسلاح الطرف الآخر سلاح دفاع عن الامتيازات؟ كل حركة مسلحة تستطيع أن تصف نفسها بأنها تقاتل من أجل التحرر أو العدالة أو إعادة تأسيس الدولة، وأن تصف خصمها بأنه حارس للنظام القديم.
إذا جعلنا تقييم كل طرف لعدالة مشروعه هو الذي يحدد حقه في السلاح ووزنه السياسي، فإننا نكون قد أعطينا حملة السلاح أنفسهم حق تقرير شرعيتهم. وهذه المسألة أكثر تعقيداً في الحرب الحالية تحديداً. فالدعم السريع لم ينشأ تاريخياً كحركة تحرر ضد الدولة المركزية أو كمشروع للسودان الجديد. نشأ في 2013 داخل بنية الدولة التي يتهمها خطاب “تأسيس” اليوم بإنتاج التهميش، واستخدم أساساً في حملات مكافحة التمرد في دارفور ومناطق أخرى، قبل أن تتغير أدواره وتحالفاته السياسية والعسكرية لاحقاً. ولذلك فإن انضمام قوة إلى تحالف يتبنى لاحقاً خطاب السودان الجديد لا يعيد كتابة تاريخ نشأتها تلقائياً، ولا يحول الحرب الراهنة ببساطة إلى مواجهة بين “ثورة الهامش” و”دولة المركز”.
التمييز بين المدني والعسكري ليس فصلاً ميكانيكياً
يصف خالد طرحي بأنه فصل ميكانيكي بين المدني والعسكري. لكن المقال لا يقول ذلك. أنا أتحدث عن تمييز وظيفي بين المسارات مع ترابطها السياسي، لا عن جدار أصم بينها. بل قلت صراحة إن القوى المدنية لا ينبغي أن تنتظر توقف الحرب حتى تبدأ السياسة، وإن الحوار السياسي يمكن أن يسهم بنفسه في إنهاء الحرب عبر تضييق الطريق بين المكاسب العسكرية والمكاسب السياسية. كما قلت إن الأطراف المسلحة قد تحتاج إلى قدر من الوضوح حول طبيعة العملية السياسية التي ستعقب وقف إطلاق النار، وإن المسارين يمكن أن يتقاطعا في مراحل لاحقة.
لكن هناك فرقاً بين ترابط المسارات وبين دمجها في تفاوض واحد. وقف إطلاق النار، والانسحاب، وحماية المدنيين، ومستقبل القوات، والدمج والتسريح، والترتيبات الأمنية، تتطلب حضور الأطراف التي تملك السلاح والقدرة على تنفيذ الالتزامات. أما تحديد طبيعة الدولة والدستور والمواطنة والعدالة ونظام الحكم فلا ينبغي أن يصبح امتيازاً لأطراف الحرب وحلفائها السياسيين. وهنا يظهر سؤال بالغ الأهمية: إذا مزجنا التفاوض العسكري والسياسي في عملية واحدة تقودها القوى العسكرية وحلفاؤها، ألا تكون الحرب قد حددت مسبقاً ليس فقط أطراف وقف إطلاق النار، وإنما أيضاً من يملك الوزن الأكبر في تقرير مستقبل الدولة؟
هذه ليست مسألة نظرية. فقد عرف السودان تجربة نيفاشا، حيث ارتبط إنهاء الحرب بتسوية سياسية واسعة بين طرفين مسلحين شملت السلطة والثروة والدستور والترتيبات الأمنية. وكانت لتلك التجربة ظروفها التاريخية التي لا يمكن إسقاطها آلياً على الحرب الحالية. المشكلة ليست في دراسة نيفاشا أو التعلم منها، وإنما في أن تتحول الحرب الراهنة إلى آلية تعيد إنتاج صيغة: *من يملك أكبر بندقية يحصل على أكبر مقعد في تقرير شكل الدولة).
من فوّض “حكومة تأسيس” لتمثيل السودان الجديد؟
وهنا أصل إلى ما أراه أهم جملة في تعقيب خالد كله. فهو يقول: “وفي هذا الإطار، تمثل حكومة تأسيس المدنية مشروع السودان الجديد في المسار السياسي، بينما تتولى القوى العسكرية المختصة التفاوض بشأن القضايا الأمنية والعسكرية”. هذه العبارة، في تقديري، تكشف موضع الخلاف بصورة أوضح من كثير من صفحات التعقيب. السؤال المباشر هو: من فوّض حكومة “تأسيس” لتمثيل مشروع السودان الجديد في المسار السياسي؟
إن مشروع السودان الجديد لم يولد مع “تأسيس”، وليس ملكاً تنظيمياً لها. له تاريخ طويل، وتيارات وقراءات متعددة، كما أن السودانيين أنفسهم أحرار في قبول بعض أفكاره أو نقد بعضها أو تطويرها. فلماذا تتحول حكومة أُعلنت أثناء هذه الحرب إلى الممثل السياسي لهذا المشروع؟ وإذا كانت الإجابة أنها تضم الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو وقوى تتبنى هذا المشروع، فهذا يعطي تلك القوى الحق الكامل في طرح أفكارها والدفاع عنها داخل العملية السياسية، لكنه لا يمنح الحكومة التي أنشأها تحالف سياسي–عسكري حق احتكار تمثيل المشروع أو الدخول إلى العملية بصفتها حكومة.
ثم يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا مثلت “حكومة تأسيس” أحد طرفي التفاوض السياسي، فمن يمثل الطرف الآخر؟ هل هي “حكومة بورتسودان”؟ وإذا أصبح المسار السياسي تفاوضاً بين الحكومة القائمة وحكومة “تأسيس”، أو بين معسكر الجيش وحلفائه ومعسكر الدعم السريع وحلفائه، فأين موقع “صمود”؟ وأين القوى السياسية التي لا تنتمي إلى المعسكرين؟ وأين لجان المقاومة والقوى المدنية والمجتمعية والمهنية والأصوات المستقلة؟
عندها تكون الحرب قد فعلت أكثر من تحديد طرفي القتال: تكون قد أعادت رسم الخريطة السياسية للسودان وحولت المجتمع السياسي كله إلى ملحق لمعسكرين مسلحين. وهذا أحد أهم الأسباب التي تجعلني حذراً من تحويل الاعتراف بالواقع العسكري إلى اعتراف بالبنية السياسية التي أنتجها.
ماذا عن حركات اتفاق جوبا؟
في هذه النقطة أيضاً يناقش خالد صيغة لم تعد هي حجتي. أنا لا أقول إن حركات جوبا تتمتع بشرعية لأنها “أقدم” من “تأسيس”، ولا إن مجرد توقيعها اتفاقاً مع مؤسسات الدولة القديمة يمنحها صكاً دائماً للمشاركة. بل قلت صراحة إن اتفاق جوبا نفسه وترتيباته ليست محصنة من المراجعة، وإن عملية وطنية شاملة قد تعيد النظر فيها. كما أن الأساس الذي أطرحه للتمييز مختلف.
هذه الحركات سبقت الحرب الحالية كقوى سياسية وعسكرية لها برامج ومطالب معلنة تتصل بالحكم والسلام والمركز والهامش والسلطة والثروة، وكان بعضها جزءاً من تحالفات المعارضة قبل سقوط النظام. والأهم أن المنطق المفترض لاتفاق السلام بالنسبة إليها هو الانتقال من السلاح إلى السياسة. بل إن اتفاق جوبا نفسه نص على دمج قوات الحركات الموقعة في المؤسسة العسكرية، وحدد الغاية النهائية بقيام جيش وطني مهني واحد تندمج فيه القوات الأخرى الموجودة في السودان.
هذا المسار لم يُنفذ كاملاً، وبعض هذه الحركات شارك في الحرب الراهنة، وهي ليست معفاة من المساءلة عن الانتهاكات ولا من استكمال الترتيبات الأمنية. لكن المبدأ الذي يفترضه الاتفاق واضح: إنهاء العلاقة بين السلاح والعمل السياسي تدريجياً، لا استخدام السلاح لإنشاء سلطة سياسية جديدة. ولذلك فالفارق الذي أطرحه ليس بين تنظيم “قديم” وآخر “حديث”، ولا بين من اعترفت به الدولة القديمة ومن لم تعترف به.
الفارق هو اتجاه العلاقة بين السلاح والسياسة: هل تتحرك من السلاح نحو السياسة المدنية والجيش الوطني الواحد؟
أم تتحرك من السيطرة العسكرية أثناء الحرب نحو تأسيس سلطة سياسية وحكومية موازية ثم طلب الاعتراف بها؟
وهذا معيار ينطبق على الجميع.
الوحدة الطوعية وتقرير المصير
يطرح خالد أيضاً مسألة الوحدة الطوعية وحق تقرير المصير. وهذه قضية دستورية وسياسية مشروعة للنقاش، لكنها في الحقيقة تؤكد لا تنفي الحاجة إلى حوار وطني واسع. إذا كان تقرير المصير سيطرح باعتباره مبدأً دستورياً لمستقبل السودان، فالسؤال هو: من يقرره؟ وفي أي إطار دستوري؟ ولأي وحدات سياسية أو جغرافية؟ وبأي آليات وضمانات؟ لا يمكن لأي قوة مسلحة أو تحالف سياسي أن يقرر هذه المسائل من جانب واحد ثم يطلب من الآخرين قبولها باعتبارها “مبادئ فوق دستورية”.
بل حتى مفهوم “المبادئ فوق الدستورية” نفسه يحتاج إلى توافق وطني حول ماهية هذه المبادئ ومصدر إلزاميتها. فالمواطنة المتساوية والحقوق الأساسية يمكن أن تكون موضع توافق واسع، لكن تحويل قائمة سياسية بعينها إلى مبادئ فوق دستورية قبل بدء العملية الدستورية نفسها يحتاج إلى نقاش وليس إلى إعلان أحادي.
من يملك شروط الحوار؟
يسأل خالد: من يمنح منظمي الحوار سلطة تحديد شروط مشاركة الآخرين؟
والسؤال مشروع.،والجواب عندي: لا أحد ينبغي أن يملك هذه السلطة منفرداً. لا لجنة التهيئة، ولا حكومة بورتسودان، ولا “تأسيس”، ولا الدعم السريع، ولا الجيش.
لهذا تحدثت منذ البداية عن مشاورات تمهيدية تفضي إلى قواعد متفق عليها قدر الإمكان حول المشاركة، والضمانات، والأجندة، والعلاقة بين المسارات.
لكن عدم احتكار طرف لشروط المشاركة لا يعني عدم وجود شروط إطلاقاً. أي عملية سياسية تحتاج إلى قواعد. والسؤال هو هل تكون هذه القواعد مفروضة من معسكر بعينه، أم نتيجة عملية تشاورية وطنية؟ ومن القواعد التي أراها ضرورية ألا يتحول حمل السلاح إلى حق سياسي إضافي، وألا تُستخدم الحكومة الموازية كطريق للحصول على وضع تفاوضي لا تملكه القوى المدنية الأخرى.
أي دولة نريد؟
في النهاية، لا أظن أن خلافنا الحقيقي هو أن خالد يريد تغيير الدولة وأنا أريد إبقاءها كما هي. هذه ثنائية مصطنعة. لقد كتبت منذ سنوات طويلة، ومن داخل تجربة الحركة الشعبية نفسها، عن مشروع السودان الجديد، وعن أزمة الدولة السودانية، وعن ضرورة إعادة بناء العلاقة بين المركز والهامش، وعن المواطنة والعدالة ووحدة السودان على أسس جديدة.
ولعله من المفيد هنا أن أوضح، من دون تحويل النقاش إلى سيرة شخصية، أن حديثي عن “السودان الجديد” ليس حديث مراقب من خارج تجربته الفكرية والسياسية. فقد ارتبطتُ بالحركة الشعبية لتحرير السودان، وعملتُ عن قرب مع قائدها الراحل د. جون قرنق، وكتبتُ على مدى سنوات عن رؤية السودان الجديد، وحررتُ وقدمتُ كتاباً عن رؤيته لإعادة بناء الدولة السودانية. لذلك فإن خلافي اليوم ليس مع مشروع السودان الجديد في ذاته، ولا مع قضايا المواطنة والعدالة وإعادة بناء الدولة التي ظللت أدافع عنها، وإنما مع الكيفية التي تُستدعى بها هذه الرؤية لتبرير صفة سياسية أو حكومية نشأت في ظل حرب جارية.
السؤال الذي يعنيني اليوم مختلف: هل يمكن أن نبني السودان الجديد بوسائل تعيد إنتاج أحد أقدم أمراض السودان: أن يصبح السلاح طريقاً إلى السلطة؟ إن كان المطلوب دولة مواطنة، فلا ينبغي أن يكون السلاح هو الذي يحدد وزن المواطن أو التنظيم. وإن كان المطلوب إنهاء امتيازات تاريخية، فلا ينبغي أن نستبدل بها امتيازاً جديداً مصدره السيطرة العسكرية. وإن كان المطلوب إعادة بناء الدولة، فلا ينبغي أن تبدأ عملية إعادة البناء باعتراف متبادل بين سلطات صنعتها الحرب ثم يُطلب من بقية السودانيين الانضمام إليها.
لذلك فإن السؤال الذي ختم به خالد مقاله — كيف نمنع إعادة إنتاج الدولة التي صنعت الانقسام والحروب؟ — سؤال أوافق على أهميته. لكنني أضيف إليه سؤالاً لا يقل أهمية: كيف نمنع الحرب نفسها من أن تصبح الوسيلة التي تحدد من يملك حق إعادة تأسيس الدولة؟ هنا، في تقديري، يقع جوهر الخلاف.
فالسودان يحتاج بالفعل إلى إعادة بناء عميقة لدولته وعقده السياسي، لا إلى العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب. لكنه يحتاج كذلك إلى عملية سياسية وطنية لا يكون فيها امتلاك السلاح، أو السيطرة على الأرض، أو إنشاء حكومة أثناء الحرب، مصدراً لحق سياسي لا يملكه بقية السودانيين. المشروع السياسي يُناقش بأفكاره. والقوة المسلحة تُفاوض بشأن الحرب والسلاح. أما شرعية الدولة المقبلة، فلا ينبغي أن يمنحها هذا المعسكر أو ذاك لنفسه، وإنما ينبغي أن تأتي في النهاية من السودانيين أنفسهم.
