كتب الدكتور عزيز سليمان استاذ السياسة و السياسات العامة
quincysjones@hotmail.com
في أعقاب الصراعات الدامية التي مزقت نسيج السودان، ومع انبثاق فجر السلام المنشود، يبرز السودان كقائد إفريقي يحمل لواء فكرة جريئة ومستقبلية: إنشاء تحالف الدفاع للوحدة الإفريقية، المعروف اختصارًا بـ AUDA (African Unity Defence Alliance). هذه الفكرة السودانية الخالصة، المولودة من رحم المعاناة والتطلع للاستقلال الحقيقي، ليست مجرد اقتراح عابر، بل هي ضرورة تاريخية تفرض نفسها على القارة السمراء لمواجهة التكتلات الدولية والأحلاف التي رسمت مصائر العالم دون إشراك إفريقيا في قراراتها. إن AUDA يمثل الرد الاستراتيجي على عصر يشهد تصاعد التحالفات مثل الناتو، والتي تكرس هيمنة القوى الغربية، بينما تظل إفريقيا عرضة للاستغلال والتفتيت.
الحاجة إلى خلق مثل هذا التحالف تكمن في الديناميكيات العالمية الحالية، حيث أصبحت التكتلات الدولية أدوات لتعزيز المصالح الجيوسياسية. ففي عالم يعج بالأحلاف مثل حلف شمال الأطلسي (NATO) أو منظمة شانغهاي للتعاون (SCO)، يظل الفراغ الأمني في إفريقيا يدعو إلى الاستغلال الخارجي. إن AUDA سيوفر إطارًا دفاعيًا جماعيًا يضمن الردع المشترك ضد التهديدات الخارجية والداخلية، مستلهمًا من مبدأ “الدفاع عن واحد يعني الدفاع عن الكل”، كما في المادة الخامسة من ميثاق الناتو. ومع ذلك، فإن ضرورة قيامه تتجاوز الجانب العسكري لتشمل البعد السياسي والاقتصادي، حيث يصبح التحالف أداة لتعزيز السيادة الإفريقية في مواجهة المنظمات الدولية غير العادلة.
من أبرز الأسباب الواضحة لقيام AUDA هو عدم العدالة الصارخة في المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، التي تكرس هيمنة حفنة من الدول عبر حق الفيتو في مجلس الأمن. كيف يمكن لقارة كاملة تضم أكثر من مليار نسمة، وتمتلك ثروات هائلة من الموارد الطبيعية، أن تظل محرومة من صوت يعادل صوت دولة واحدة تمتلك الفيتو؟ هذا الاختلال يعكس إرث الاستعمار الغربي، الذي لم ينتهِ بانتزاع الاستقلال الشكلي، بل استمر عبر زرع الفوضى والتقسيم المتعمد لبلدان إفريقيا. فمن حدود مصطنعة رسمها مؤتمر برلين عام 1884-1885، إلى دعم الانقلابات والحروب الأهلية في العصر الحديث، كان الغرب يهدف إلى الحفاظ على سيطرته على الموارد الإفريقية، مستغلاً الضعف الداخلي للقارة. إن اضطهاد إفريقيا ليس مصادفة، بل سياسة ممنهجة تحول دون نهضتها، مما يجعل AUDA ضرورة لاستعادة السيادة ومنع التدخلات الخارجية التي تزرع الفتنة وتغذي الصراعات.
يجب على السودان، كدولة تعرضت لأشد أشكال التفتيت والحرب، أن يتبنى هذه الفكرة السودانية الخالصة ويصبح رائدها، محولاً تجربته المؤلمة إلى قوة دافعة للوحدة الإفريقية. فبعد الحرب، يمكن للسودان أن يقود حملة دبلوماسية لتأسيس AUDA تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، مع التركيز على بناء قدرات دفاعية مشتركة تضمن السلام والاستقرار. إن تحقيق هذه الفكرة ليس خيارًا، بل واجب تاريخي لتحرير القارة من قيود الاستعمار الجديد.
وأخيرًا، يُعد AUDA واحدة من مرتكزات نهضة القارة، إلى جانب قطع دابر الفساد الذي ينهك الاقتصادات، وقطع دابر الديكتاتوريات وحكم القبائل الذي يعيق الديمقراطية الحقيقية، وإعلاء شأن التعليم والمعلمين والصحة للارتقاء بالإنسان الإفريقي. كما يجب الحرص على الموارد الطبيعية لتكون من أجل الإنسان الإفريقي أولاً، لا للشركات الأجنبية، مع توعية الشعوب الأفريقية بعدم الاستكانة لحكامها الظالمين، فإن النهضة تبدأ بالوعي والوحدة
د.عزيز سليمان
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم